مأمن الله… من مال الله!

بعد معركة طويلة- محسومة نهايتها تقريبا- صادقت المحكمة الإسرائيلية العليا على قرار يسمح لشركة روزنتال اليهودية الأمريكية بالشروع فورا في بناء متحف أسمته “الكرامة الإنسانية” وأطلقت عليه أيضا “التسامح”… فوق أكبر مقبرة إسلامية في القدس.. “مأمن الله”.
وخلال أسبوع واحد فقط، صودرت أهم مقبرة إسلامية تضم رفات 70 ألفا من الشهداء على رأسهم جنود صلاح الدين وعدد كبير من صحابة رسول الله، وهدمت عدة منازل في أحياء متفرقة أهمها حي سلوان الذي استولى المتطرفون على أغلبه، وكشف النقاب عن نفق استيطاني جديد أسفل الأقصى، وشردت عائلة الكرد تمهيدا للاستيلاء على منزلها كخطوة للسيطرة على 27 منزلا في حي الشيخ جراح بقلب القدس..
وفي هذا الأسبوع أيضا تجري سلطات الاحتلال انتخابات لبلديتها في المدينة ومرشحيها الثلاثة وهم إما من الناشطين في شراء وتهويد العقارات المقدسية أو من ذوي الخلفية العسكرية التي اشتهرت ببطشها ضد الفلسطينيين عامة، أو من كبار المتطرفين اليهود الذين يزاحمون المواطنين المقدسيين على الهواء الذي يتنفسونه هنا… وثلاثتهم يشتركون في رؤية “القدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل”.
مصادرة حق المسلمين في الحفاظ على كرامة أمواتهم، وحقهم في الإقامة والسكن في أحياء وبيوت ملكوها منذ مئات السنين، وحقهم الديني في مقدساتهم، وحقهم في رفض الاعتراف بالاحتلال كأمر واقع على مدينتهم… كل ذلك لم تكن مجرد قرارات على ورق، بل كانت مخططات بدأت منذ اليوم لاحتلال المدينة وتستمر اليوم وغدا بدعم مبرمج من كبار أصحاب رؤوس الأموال اليهود في العالم وخاصة في أميركا… مقابل لا شيء من الأموال العربية والإسلامية تقريبا… ولا شيء من الدعم السياسي والشعبي والثقافي .. لا شيء من كل شيء… لا شيء يجده المقدسي اليوم بديلا أمام محاولات محوه من الوجود في هذا المكان وهذا التاريخ.
وفي حين ضخت شركة روزنتال اليهودية التي تنشط في شراء العقارات والمنازل والأراضي المصادرة بالقدس، أكثر من 200 مليون دولار لإقامة متحف “للتسامح الإنساني” فوق مقبرة إسلامية… لم تنزعج عاصمة عربية أو إسلامية واحدة بمسيرة ولو صغيرة… ولو صغيرة… تكسر صمت أمة كاملة غابت بإرادتها وقصرت باختيارها تجاه شهدائها ومساجدها وأرضها التي ستحشر فيها يوما…
في زيارة قريبة سنحت لنا بها غفوة الجنود على حاجز قرب القدس، قال لنا أحد التجار في البلدة القديمة أن العرب والمسلمين تخلوا عنا، نحن نواجه هؤلاء – وأشار إلى مجموعة من المستوطنين يرتادون منزلا عربيا تحول إلى نادي شبابي يهودي في حي باب الواد- نواجههم يوميا بدون ظهر يحمينا.. ويضيف: يوميا هناك دكاكين تغلق وبيوت تصادر و جدران تقع، لأن لا أحد من المسلمين يهتم بأمرنا…
وروى هذا التاجر كيف أن أحد المؤسسات العربية عندما قررت ترميم بيته في المنطقة ذاتها، أو سمح لها بذلك، أنفقت أكثر من 70 ألف دولار على إعادة رصف مدخل البيت وإصلاح سوره وتركت البيت آيلا للسقوط من الداخل… “ربما هيك الأوامر وليس بيدها حيلة..” قال، وسكت.
أكثر ممن 450 ألف يهودي باتوا يشكلون الأغلبية بين سكان القدس بشقيها الغربي والشرقي، يتلقون سنويا مئات الملايين من الدولارات كهبات أو أموال لاستثمارها في شراء عقارات وبناء تجمعات سكنية وتوفير خدمات ترفيهية لهم، إلى جانب سلسلة طويلة من التسهيلات التي تقدمها بلدية الاحتلال في القدس من أمثلة الإعفاء من الضرائب وأسعار السكن المخفضة جدا وتوفير المدارس والمرافق والخدمات بصورة مجانية في أغلبها…
ونحو 257 ألف مقدسي، هم ما تبقى من سكان المدينة الأصليين، باتوا يمثلون ثلث السكان أو أقل، لا يجدون من الخدمات الأساسية إلا ما ندر، ويلقى على عاتقهم دفع أنواع متفرقة من ضرائب الدخل والسكن والعقارات حتى أن أحد التجار من عائلة الحلواني قال لنا انه دفع ما لا يقل عن 120 ألف دولار منذ بداية عام 2008 “والحبل ع الجرار”، لقاء حفاظه على بقالة صغيرة يملكها “أبا عن جد” في سوق البلدة القديمة.
اليوم.. لا يملك المقدسيون عقاراتهم، فهي تحتهم مهددة بالمصادرة في كل لحظة، وليس لديهم مدارس لتعليم أبنائهم الذين توفر لهم السياسة الإسرائيلية بديلا ” من أمثال نشر المخدرات والآفات الاجتماعية بينهم”.. ولا يجدون ما يحمي لهم هويتهم المقدسية التي تنقرض يوما بعد آخر… وليس لديهم مؤسسات ثقافية أو اجتماعية، وممنوع عليهم دفن أمواتهم في المقبرة التي يختارونها… وحتى الأموات مهددون في قبورهم أيضا..
الصمود الصمود… نطالبهم دوما بالصمود….
ولا شيء يملكه المقدسي للصمود، وفي ظل فقدانه لكل مقومات حياته بدون دعم، وإن لم يفقد الأمل بعد، يسأل لسان حال المواطن المقدسي أمة المليار مسلم: هل نصل إلى يوم نناشدكم به ” من مال الله يا مسلمين”؟…