غزة والعودة إلى أحضان الماضي

في نظرة سريعة إلى أحد منازل قطاع غزة تجد الحياة عادت بأصحابها إلى الماضي ، مشهد يتكرر في جميع منازل القطاع التي جعل منها الحصار سواء ، فبوابير الكاز التي تم الاستعانة بها لتكون بديلا عن الغاز المنزلي ولمبة الكاز التي جاءت كحل للانقطاع المستمر للكهرباء ، إلى جانب فرن الطين دخلت جميع منازل قطاع غزة المحاصرة دون استثناء .
وقد أوجد الحصار في غزة لدى المواطنين عادات معيشية غابت عنهم منذ عشرات السنين ، واضطروا للعودة إليها رغما عنهم في ظل النقص الحاد في الغاز وإمدادات الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء وبقائهم تحت وطأة مزاجية الاحتلال .
ورغم محاولات الغزيين للخروج من قبضة الاحتلال الذي أحكم الخناق عليهم إلا أنها لم تستطع التغلب على الشلل الذي أصاب جميع مناحي الحياة ، لكنهم في الوقت ذاته رفضوا الخضوع لتلك الإجراءات المهينة .
ويتذمر سكان غزة من الدعوات الأممية والدولية لرفع الحصار عنها ، والتقارير المتتالية التي تتحدث عن استخدامهم لوسائل بدائية على اثر فقدهم للوقود والكهرباء ، وذلك لأنها لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا تحرك ساكنا لوقف التدهور الذي يحذرون منه دون جدوى.
ويتطلع المحاصرون إلى من يشد أزرهم ويساندهم في محنتهم التي ألمت بهم ، في انتظار دعم عربي مالي ومعنوي يجعلهم أكثر عزما في مواجهة الحصار ، وأكثر صلابة في مجابهة مخططات الاحتلال الهادفة لتدمير مقومات الشعوب وطمس الهوية العربية .
وقد دب الأمل في قلوب الغزيين عندما ابتدأت المحاولات العربية عبر تسيير سفن لكسر الحصار ابتداء من السفينة الليبية ومن ثم القطرية والثالثة التي خرجت من ميناء حيفا في فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين علاوة على الحديث عن سفن لبنانية وغيرها.
وبالرغم من عدم تمكن تلك السفن حتى اللحظة من الوصول لشواطئ غزة إلا أن المواطنين يجدون فيها المنجد لإخراجهم من ظلمة الحصار ومخالب الاحتلال.
ويعبر لسان حال الغزيين عن المأزق الذي يعيشونه من أزمات متتابعة أعادتهم إلى الوراء ، وفي الوقت الذي يتمنون فيه أن يفرج عنهم أبناء جلدتهم ، يؤكدون أنه ليس بمقدور أحد أن يتحمل المعاناة المتفاقمة التي يمرون بها ، مما يدفعهم لرفع صوتهم بقوة بالاستغاثة بمن حولهم.
وفي ظل الآهات والحياة المريرة التي يحياها المحاصرون يبقى السؤال مطروحا بقوة … ماذا ستفعل الشعوب العربية لو تعرضت لظروف مأساوية كما في غزة ؟ فهل ستبقى صامتة تشاهد احكام المحتل عليها وتحكمه بها؟ .