ستون عاماً في لبنان.. والمأساة لا تزال تتجدد!

هناك الملايين من الأسر في العالم لا تعيش حياة كريمة ولا تتوفر لها أدنى متطلبات الحياة الإنسانية السليمة كما في الصومال والنيجر وغيرها الكثير من بلاد العالم، ولكنّ مأساة هذه الأسر قد تكون آنية ولفترة معيّنة ناتجة غالباً عن عوامل طبيعية كالجفاف والكوارث البيئية او ذاتية كالفقر او عوامل اخرى كالاضطراب الأمني في البلاد.
إلا أن هنالك نوع آخر من المآسي الانسانية كالتي يعيشها 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان تتجدد مأساتهم مع إطلالة كل فجر جديد، والحال هو نفسه لأكثر من ستين عاما ً! وقد يدخل لاجئو لبنان في كتاب “غينيس” للأرقام القياسية، كأكثر شعب عانى لأطول فترة في العالم من مأساة متجددة لا تليق بالإنسان.
ويعيشون اللاجئون الفلسطينيون في لبنان في 12 مخيما ً، وتختلف هذه المخيمات من حيث المساحة والكثافة السكانية، إلا أنها تتوحّد من حيث الظروف المعيشية الصعبة من كافة النواحي، إذ أنّ واقع الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والانسانية هو واقع مُخجل!

المأساة الأعظم هي أنّ خمسة مستشفيات تعالج 400 ألف لاجئ فلسطيني.. هذه المستشفيات الخمسة التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني هي مهملة بإمكانيات ضعيفة، تصارع منذ زمن على البقاء، لكي تستمر في تقديم الخدمات للآلاف من اللاجئين، بأجهزة ومعدات تآكلت بفعل الزمن، ولم تتجدد، في غياب أهمّ الأدوية التي يحتاجها المريض. وفي مخيم عين الحلوة في صيدا، والذي يحوي حوالي 75 ألف لاجئ فلسطيني، لا مستشفى فيه سوى مستشفى “النداء الانساني”، وهي مستشفى خاصة تقدم خدمات لهذا العدد الكبير من البشر بإمكانيات متواضعة، ويحتوي على 7 أسرة فقط !

أما الناحية التعليمية فحدّث ولا حرج! فالطالب الفلسطيني الجامعي المتخرج من جامعة لبنانية هو طالب غير معترف به، وبالتالي ليس لديه “تصريح” للعمل ومزاولة المهن. ويوجد في مخيمات الفلسطينيين في لبنان (سبع وسبعون) مدرسة فقط الأكثر منها تقتصر على المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وفي نوبتين في الغالب صباحية ومسائية لتغطية هذه الجموع الغفيرة من الطلاب.

مَن يتجوّل في المخيمات الفلسطينية في لبنان يكتشف هول الكارثة والغبن اللاحقين باللاجئين الفلسطينيين حيث لا كهرباء ولا ماء ولا مصارف صحية، وأيضا لا عمل، فيما البيوت عبارة عن أكواخ صغيرة يكتظ كل منها بعشرات البشر بمساحة لا تتجاوز الأمتار القليلة، فيما يعيش أهلها حظر تجول فعلي خارج المخيمات.

رغم أنهم يعيشون على أرض لبنانية، إلا ّ أنّ سلسلة من “الممنوعات” تحاصرهم.. “ممنوع” إدخال مواد بناء لتحسين مساكنهم.. “ممنوع” العمل في أكثر من سبعين مهنة.. “ممنوع” الحصول على مياه صحية.. “ممنوع” الحصول على كهرباء الدولة.. “ممنوع” الطبابة في المستشفيات اللبنانية إلا بدفع مبالغ طائلة.. وغيرها من الممنوعات التي لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا.

ستون عاما ً… والمخيمات الفلسطينية في لبنان لا تزال تعتبر عضواً غريباً في جسد لم ولن يألفها.. ومهما كبُرت مأساتها، يظل لسان حالهم يقول بأن مفاتيح بيوتهم في فلسطين مخبأة في القلوب، وتبقى رائحة زهر البرتقال وشميم الارض محفورة في ذاكرتهم التي لا تزال متوقدة وحية في روح الأطفال قبل الكبار، رغم أنهم لم يعرفوا فسطين إلا من عيون كبارها التي تلمع حنينا ً ووجعا ً نحو فلسطين، يوم كانت كالعروس تختال بفستانها الاخضر.

ستون عاماً انقضت يقابلها سؤال واحد: “إلى متى ستضل حال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على ما هي عليه دون أدنى الحقوق المدنية؟!!”.