شهادات جنود الاحتلال والقنبلة الثقيلة

ما أن انقشع غبار آليات الاحتلال في حربها الأخيرة على غزة حتى ارتسمت معالم الجريمة جلية على أجساد المواطنين التي صهرها الرصاص المسكوب ، وتعالى دخان الفسفور الأبيض من جروحهم ، لكن المفاجأة التي جاءت من العيار الثقيل كانت بإفصاح جنود الاحتلال الذين شاركوا في الحرب بارتكابهم جرائم حرب ضد المدنيين في غزة بأمر من ضباطهم .
المراكز الحقوقية والشهادات الدولية كانت كلها تدلل على أن جرائم خارجة عن القانون الدولي جسدها الاحتلال في حرب غزة ، مع أنها كانت تصطدم في جدار الإنكار الرسمي الإسرائيلي والتشكيك برواية الشهود وانحيازهم لغزة المحاصرة ، إلا أن المشهد بدا مختلفا هذه الأيام عندما شهد شاهد من أهلها .
ولم يكن مستبعدا أن يظهر الناطقين باسم جيش الاحتلال ووزارة خارجيته للتهرب من تلك الاتهامات ، وفي المقابل هل تجد تلك الاعترافات من يستغلها على الجانب الآخر من العرب والمسلمين وأحرار العالم لاتخاذها دليلا يجولون فيه في المحاكم الدولية ؟ .
حتى اللحظة ورغم مضي أيام على اعتراف جنود الاحتلال لم تطل أي جهة تحمل وجهة النظر المطالبة بمقاضاة الاحتلال ، مما دفع سكان غزة للتساؤل ” هل دماؤنا رخيصة ؟ ولا يبالي أحد أمام ارتقاء ألف وخمسمائة شهيد في الحرب الأخيرة ؟” .
تلك التساؤلات التي يرددها كل طفل وشاب وشيخ وامرأة ذاقوا ويلات الاحتلال تنتظر من يترجمها على أرض الواقع لملاحقة الاحتلال في المحافل والمحاكم الدولية ، بيد أن تجربة الغزيين مع تلك المحاكم تجعل هاجس تجاهلهم والانحياز للمعتدين يسيطر عليهم ، لاسيما بعد رفض عدد من المحاكم النظر بقضايا رفعت سابقا ضد قادة الاحتلال والتي كان آخرها وقف المحكمة الأسبانية محاكمة عدد من قادة الاحتلال عندما أقدموا على ارتكاب جريمة عندما أقدمت على قصف منطقة مأهولة بالسكان بهدف اغتيال قائد كتائب القسام صلاح شحادة ، وراح ضحيتها في ذلك الوقت أكثر من خمسة عشر شخصا من الأطفال والنساء .
وتتطلب تلك الشهادات التي شددت على استخدام القوة المفرطة ضد جميع سكان قطاع غزة بدون استثناء؛ وحملت شعار “اقتل أبرياء أفضل من أن تتردد في إصابة عدو”، من يأخذها على محمل الجد ويجوب بها المحاكم الدولية علها تجد صدا وآذانا صاغية ترجع الحق لأصحابه .
ويجد أهالي غزة أنفسهم يقفون مكسورين أمام مشهد العالم المتفرج على دمائهم التي تسال دون وجه حق مع أن جميع المؤشرات على الأرض والشهادات الأخيرة تبدد أي شك بارتكاب الاحتلال لجرائم حرب بعيدا عن أي قانون ، فهل هناك من يساندهم ؟ وفي حال بقي الوضع على حاله دون تحريك ساكن فأين المفر ؟ وعلى من تقع مسئولية محاكمة قوات الاحتلال ؟ .