مبادرة طلاب الجامعة الاميركية للمخيمات

جانب من جولة وفد الجامعة الامريكية في بيروت

لطالما اعتقدتُ أن لا أحد يستمع إلى أنين أهالي مخيمات لبنان، وذلك بعد أكثر من 62 عاما ً من غياب جماعي للضمير الانساني تجاه فئة من البشر اضطهدت وظلمت وصودر حقها في الحياة الكريمة بنصوص قانونية وتشريعية… إلى أن أتت المبادرة من مجموعة من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، من عدة جنسيات وطوائف، ليطلبوا زيارة لمخيم فلسطيني في لبنان.  
 
جالوا في أزقة مخيم برج البراجنة، مخيم يسكنه أكثر من 35 ألف نسمة بمساحة  اقل من كيلو متر مربع! بأياد ٍ مرتجفة وتعابير مؤلمة، نسوا الكاميرات التي يحملونها، وكانت عيونهم مذهولة بما يرونه من صور واقعية لم يصدقوا يوما ً وجودها! ردود الفعل اختلفت بين طالب وآخر..
 
إذ بينما انهارت طالبة ً بكاء ً وغطّت وجهها لكي لا ترى المزيد من معاناة أسرة "عاطف".. جلس زميلها بابتسامة حزينة على الأرض بين الأطفال الأربعة محاولا ً أن يعلمهم القراءة والكتابة خلال ساعة من الزمن.. تفاعل الأطفال معه.. ابتسموا ورسموا شمسا ً وبيتا ً ولعبة ً.. رسموا أشياء لم يعرفوها من قبل، لكنهم سمعوا أنّ هناك بيوتا ً مخصصة للبشر، لكنهم يعرفون بالفطرة أنّ الخرابة التي يسكنونها غير مؤهلة ليعيش فيها أسرة مؤلفة من 6 أفراد، بل هي مخصصة للفئران والصراصير التي تشاركهم طعامهم وفرشاتهم.. يعيشون على الهامش، بلا ادنى مقوّمات الحياة.. لا يعرفون البراد أو الغسالة او فرن الغاز.. والحمام عبارة عن حفرة صغيرة في غرفة تجتاحها الرطوبة والعفونة.
 
وفي زوبعة الانفعالات التي أحدثتها الزيارة الميدانية للمخيم، خرجت منهم تعليقات غاضبة:  "عندما سمع أصدقائي أنني ذاهبة لزيارة مخيم فلسطيني، حاولوا زرع الرعب في قلبي قائلين إنني قد أتعرض للخطف أو القتل!! لماذا لا نسمع عن المخيمات الفلسطينية إلا الآن؟ أشعر بالصدمة لما نراه من قصص آلام ومآسي يعيشها أبرياء على أرض لبنان.. أين هو الإعلام؟"
 
باسم نصف مليون فلسطيني في لبنان، شكرا ً لكم أيها الطلاب على بادرتم الطيبة تجاه المخيمات الفلسطينية.. شكرا ً لأنكم تعملون جاهدين من أجل الإنسانية وإسعاد أطفال لم تعرف الابتسامة طريقا ً إلى وجوههم البائسة منذ زمن طويل.. وما حققتموه هو انجاز مشرّف. واقول لكم أنّ تلك التجربة ليست الأولى فقط بالنسبة لكم، بل هي أيضا ً تجربتي الأولى مع أمثالكم، إذ بعد 10 سنوات من العمل في المخيمات الفلسطينية في لبنان، شعرتُ بشيء من التفاؤل أنّ هناك طلابا ً يريدون أن يغيّروا واقعا ً مريرا ً لم يستطع تغييره الكبار.
 
انتهت الجولة ومعها بدأت رحلة الطلاب الإنسانية تجاه المخيمات الفلسطينية عبر الفايسبوك، موثقين لحظات  لا تـُنتسى، متحدثين عن انطباعاتهم وتجربتهم الفريدة، طالبين من رفقائهم الانضمام إلى جولات ميدانية أخرى في المخيمات الفلسطينية في لبنان.  لم يكتفِ الطلاب بالبكاء على حال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لأنّ الدموع لن تحقق أية نتيجة، بل يفكرون بوقفة جادّة وينقبون عن حلول قد تحقق شيئا ً من الكرامة لشعبٍ عانى الكثير ولسنوات طويلة.
 
هل يكون طلاب الجامعة الأميركية بداية النهوض بعالم المخيمات؟ وهل يبادر طلاب الجامعات الأخرى إلى عمل شبيه بمبادرة هؤلاء الطلاب؟ وهل تشرق شمس الحق خلال هذا العام لاهالينا المحرومين في مخيمات لبنان، فيحصلون على بعض حقوقهم الإنسانية المهدورة؟ وهل ينتصر الطلاب للفقراء، والمعذبين والمسحوقين في مخيمات لبنان؟