جانب من المهرجان
"الطقس ممطر، كثير الغيوم، مع انخفاض شديد في درجات الحرارة".. هكذا كانت توقعات الأرصاد الجوية ليوم الأحد الماضي، وهذه التوقعات غالبا ً ما تكون صحيحة لاعتمادها على أسس علمية، مما سبّب التوتر لجميع العاملين في مهرجان المحبة للطفولة، والذي كان سيُقام لحوالي 1500 يتيم في حديقة كبيرة لكنها غير مسقوفة!
أخبرتُ أحد الزملاء في العمل اننا نحتاج لخطة بديلة.. فقال لي ان الخطة الأولى والبديلة هي الدعاء فقط، ولا نستطيع ان نفعل أيّ شيء قبل يوم من موعد المهرجان! حتى أننا خلال التحضيرات يوم السبت، كانت الأمطار الخفيفة تنهمر، موعدة ً بالأمطار الغزيرة لليوم التالي.
لو لم أكن متواجدة في المهرجان لما صدّقتُ ما حدث.. أتى يوم الأحد، ومعه أتت الشمس لتدفئ قلوب الايتام الحزينة، رافضة ًأن يكون هناك ما يمنعهم من اللعب! وكأن فصل الربيع أشرق بين الغيوم ليغمر مهرجان الأيتام بالمحبة والعطاء حيث تفجـّرت خيوط الشمس الدافئة فوق الألعاب وغُمرت الساحات بفيء الأشجار وصدحت زقزقة العصافير في كل مكان.
ما أجمله من مشهد عندما يشارك الجميع في العطاء، حتى الشمس التي لامست القلوب بدفئها، ويصبح ذلك العطاء عنوانا لسعادة الأيتام. قـُـدّر لي أن أكون بين الحاضرين في مهرجان مختلف عن أي مهرجان آخر، كونه جمع أيتام من عدة طوائف ومذاهب.. فكان مشهد لأيتام مسلمين ومسيحيين ودروز، لبنانيين وفلسطينيين، يلعبون ببراءة، ويتبادلون الضحكات العفوية، متحدين ألعاب الكبار في إحداث فتنة طائفية في البلد. وهذا يمثل وقفة إنسانية ناطقة بالمحبة والإحساس النقي والبراءة الطفولية في أجواء مشمسة دافئة.
هناك حكمة تقول "لكل منا شمسان: شمس تشرق كل صباح وشمس في قلبه"… لكنّ في يومٍ ماطر من أيام شهر أبريل، اقتحمت الشمس الغيوم، مانعة ً الأمطار من الهطول.. وما أروعها من شمس عندما تتآلف مع شمس القلوب التي سمحت لنور الشمس بالولوج الى الداخل، للاستمتاع بهذا اليوم المتميز.
"مهرجان المحبة للطفولة" الذي نظمته جمعية الارشاد والاصلاح الخيرية الاسلامية في بيروت جمع 1500 يتيم في يوم واحد، لكنه حصد ملايين الضحكات، وبرعمت المحبة بكل أشكالها وألوانها.. محبة الله على كل ما يمنحنا إياه، خاصة ً الشمس التي أشرقت في يوم كان من المفترض أن يكون ماطرا ً.. محبة الحياة والآخرين والذات بروحها الجميلة متناسين تعدد الطوائف والمذاهب، وما حدث في المهرجان هو تجديد لإيماننا بمبادئنا الدينية والاخلاقية والإنسانية. هنيئا لكل مَن شارك في هذا المهرجان.. هنيئا ً لكل مَن شارك في رسم لوحة سعادة رائعة فاقت الحد المعقول بالروعة..
ولكن يبقى السؤال: هل يمكن أن تبادر المؤسسات الإنسانية والجمعيات الخيرية في تنفيذ نشاطات ومهرجانات مشابهة تجمع الأطفال من كل الطوائف والأجناس والجنسيات، في بادرة لترسيخ مبادئ ومشاعر الانسانية في داخلهم، وتغليبها على مصالح الكبار الضيقة؟ ألا تكون إشراقة الشمس برهانا ً على أنّ العمل الإنساني يوحـّـد مختلف الطوائف والمذاهب بإصرار على تذويب الخلافات والفروقات التي صنعها الكبار بأيديهم وراكموها على مر الزمن، ليعيدهم إلى فطرتهم النقية التي تجردهم من كل شائبة أمام انسانيتهم التي ينتمون إليها كما نصت على ذلك كافة الشرائع الدينية؟
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68764
