الشباب المبادرون يفرشون المشمع على أسطح أحد المنازل
"لا يمكن لجذوة العمل الخيري أن تخبو حتى وان اصطفت أمامها الكثير من المصاعب والمعيقات"..ذلك هو انطباع أولي انتابني أمام مشاهد لمبادرة قام بتنفيذها مجموعة من الشباب في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين بالأردن، وبوازع إنساني وأخلاقي عفوي بحت.
وفي صورة تجسد "ملحمة بطولية" نظّم خلالها مجموعة من الشباب "جبهة" إنسانية في مواجهة الجبهة الهوائية شديدة البرودة والأمطار والثلوج التي ضربت الأردن ودول في منطقة الشرق الأوسط، أسقطت عدداً من القتلى، وخلفت دماراً في البنى التحتية، وأعاقت معها مسار الحياة الطبيعية في هذه الدول.
كان الشباب حينها وعلى الرغم من اشتداد أحوال الطقس سوءاً وهطل الأمطار الغزيرة والثلوج يتنقلون بين زقاق المخيم التي تركن على جنباتها منازل متهالكة، أو بقايا منازل غير مكتملة على الرغم من مرور عشرات السنين على بنائها "الترقيعي"، كما لو أنها بنيت على عجل وسريعاً في عتمة الليل..يتبصرون حاجة أهل هذا المنزل ومأساة ذاك لتقديم ما يمكن من المساعدة الطارئة.
تركز جهدهم وقتذاك بإسعاف أهالي المنازل الأكثر بؤساً في التخفيف من وطأة الظروف الجوية القاسية..فرشوا على اثرها عشرات "المشمعات" -وهي قطع من مفارش النايلون المرن- على أسطح المنازل المتداعية والملأى بالثقوب، أو المغطاة بألواح "الزينكو" التي لا تقي برداً ولا مطراً.
أحسست وأنا أتابع حركتهم الرشيقة وتنقلاتهم هنا وهناك، من عمق المخيم حتى أطرافه، بأن هنالك رسالة يودون إرسالها بأنهم يعرفون طريقهم جيداً، وبأن مبادرتهم تجاوزت المقولة الشعبية بأن "الدنيا لا تزال بخير"، إلى مفاهيم أعمق مفادها بأن الإرادة لعمل الخير في أي وقت وفي أي مكان هي إرادة نافذة كالرصاص، لا يمكن منعها أو إيقافها حتى تصل إلى أهدافها.
كانوا يجنون في كل خطوة يخطونها ما هو أثمن من الكنوز والثروات، تتمثل بالثواب ورضا النفس والضمير، حين يشبعون لهفة المحتاج، ويرسمون البسمة على وجوه أرهقها البؤس، وفي كل لحظة يستمعون فيها لدعوات المسنّات بنيل رضا الله، وطول العمر.
لم أملك وعيناي مشدودتان بناظرهما إليهم سوى اختلاج صدري لمشاعر الغبطة تجاههم، وشهية كبيرة بأن أشاركهم هذا "العرس" الخيري الإنساني التطوعي، وأُعينهم ولو باليسير من الجهد..أمد مني يداً تحمل العون لتتلقفه أياديهم..وقبل كل شي أقبّل اليد التي تمسح دمعة المسكين، وتبادر قبل غيرها بالخير..فأقول: بوركت سواعدكم..
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68818
