أرشيفية
العاملون في الجمعيات والمؤسسات الخيرية هم الوقود الذي تعتمد عليه منظومة العمل الخيري، وتستمد من خلالهم فاعليتها؛ فهم المنوط بهم القيام بكل الأنشطة والأعمال التي تقوم عليها هذه الجهات، فبدونهم لا نشاط ولا حركة، ولا عمل خيريا مؤسسيا منظما يحقق ما تتطلع إليه المجتمعات وما يصبو إليه الأفراد من الداعمين والمستحقين، وهو ما يعني أن الارتقاء بهم وبقدراتهم يعني التطوير النوعي والكيفي بمستوى الخدمة الخيرية التي تقدمها المؤسسات، مع توافر الجودة والسرعة والإتقان، وكافة العناصر التي تعتبر الفارق الإيجابي، وأهم أدوات قياس كفاءة المهمة الإنسانية التي تقدمها الجهة الخيرية، فالارتقاء والتطور الذي يطال الفرد العامل يعتبر هو الارتقاء والتطور الذي تحققه المؤسسة عندما تحقق النجاح الذي يليق بها.
ويعتبر الاهتمام ببناء وتنمية قدرات العاملين، والارتقاء بهم أيضاً، من الاعتبارات التي يمكن الأخذ بها لمعرفة مدى التقدم والإنجاز الذي تحققه الجهة الخيرية لتفعيل عملية الانتقال من الشكل الأهلي المجرد للعمل والإدارة إلى الشكل الاحترافي، الذي يعني التنظيم والجودة والإنجاز في العمل، والمنافسة الحقيقية التي تنعكس بشكل إيجابي على المجتمع وأفراده، خاصة من الفقراء والمعوزين.
وعملية بناء القدرات وتنمية المهارات، إذا اتبعت فيها الوسائل العلمية المأخوذ بها في كل العالم، فإنها ستسير في طريقين أو شقين يكمل أحدهما الآخر، وهما كالآتي:
•الشق النظري:
والشق النظري هو الذي يتم فيه إكساب الفرد مداخيل العلوم والنظريات، وأوليات العمل بطريقة افتراضية أولية، لإيصال معلومة معينة أو مهارات معينة، دون السعي لتحقيقها أو بلورتها بشكل مباشر إلا في وقت معين، عندما يتشبع الفرد بالفهم الذي يعينه على القيام بالعمل بطريقة لا يحدث فيها الخلل أو التراجع. ومن المعروف أن إكساب الأفراد المهارات بطريقة أولية هو الحافز الذي قد يدفعهم لقبول القيام بتطبيقها بشكل عملي، بعد أن يتخيلها وتستقر في عقله بالشكل المناسب. وفي هذا الجانب فإن الجهات الخيرية بحاجة لاختيار موظفيها والعاملين فيها من المتعلمين حتى حدود معينة، أو من الواجب أن تعمل على بناء قدراتهم من خلال دمجهم في المؤسسات التي تساعدهم في بناء قدراتهم، وإكسابهم المهارات والعلوم الأولية اللازمة للعمل.
• الشق العملي والميداني:
من الطبيعي أن تتبلور المهارات والقدرات التي اكتسبها الأفراد في الشق النظري بشكل عملي وميداني، ولكن هذا الجانب قد يتعثر فيه الأفراد لمرات قد تزيد أو تقل حسب مهارة العامل، ولكنه سيبقى بحاجة لدعم مواز من خلال الأفراد والعاملين والخبراء الذين يتمتعون بخبرات أكبر وأوسع للتعليم والمتابعة والإشراف، ليتحقق الهدف الأكبر، وهو نجاح المنظومة كلها، فالجانب العملي أو الميداني هو الواجهة الحقيقية والدور الفعلي الذي يظهر للعامة، وهو المعبر عن المؤسسة وأفرادها؛ ولذلك فإن إكساب الأفراد مهارات العمل الميداني عملية دقيقة وحساسة، ولكنها هي الأهم، ويعتبر المؤهل لهذه الدرجة من المشهود لهم بالنجاح والتميز في كافة العلوم والمجالات.
وتتنوع الوسائل والأدوات والصور التي يمكن للجهات الخيرية المختصة أن تعتمد عليها لاستخراج أفضل الطاقات لدى العاملين فيها، ومن هذه الوسائل ما يأتي:
– التعليم الجامعي المتخصص:
لا شك أن الجامعات والمعاهد المتخصصة، بكل ما فيها من أساتذة وخبراء وباحثين وأكاديميين، تعد حلقة من حلقات التطور والارتقاء، والسعي تجاه الأفضل في كل المجالات، بما فيها العمل الخيري، وبسبل واتجاهات علمية تعتمد على المنهجية العلمية في البحث والتطوير، وإجراء التجارب الميدانية، وتزكية الأنسب والأفضل للمجتمعات. ورغم أن علوم العمل الخيري ودراسته ليست من العلوم الأساسية التي تدرس للطلاب في أغلب الجامعات الخليجية والعربية، بالشكل الذي يساهم في الارتقاء بمنظومة العمل الخيري ميدانياً، ولكن يمكن التعويل عليها والارتقاء بمستوى العاملين في الجهات الخيرية عن طريق دمجهم في المنظومة التعليمية، من خلال الأقسام المختلفة التي تدرس العلوم الاجتماعية وعلوم وتطبيقات الإدارة الحديثة، وإكسابهم خبرات متعددة، وكذلك من خلال الأقسام التي يتم تدشينها أو استحدثها لتدريس علوم وتطبيقات العمل الخيري والإنساني، والاهتمام بدعم دراسة العاملين في هذه الجهات في حال الوصول إلى المرحلة المتقدمة في طلب الدراسات العليا، كالماجستير والدكتوراة.. وتعتبر الأمانة العامة لأوقاف الكويت من رواد الداعمين للطلاب والعاملين أيا كانت جنسياتهم، وفي كل الجامعات الإقليمية والعالمية دون تفرقة، وذلك في حال تقديم الدارس أو الباحث طلب دعم دراسته في درجتي الماجستير والدكتوراة في مجالات الوقف وعلومه تحديداً.
ومن ثم فإن الجامعات تعتبر من الأماكن الصحية التي يمكن الاعتماد عليها في إكساب العاملين بالجهات الخيرية المهارات والخبرات والعلوم الجديدة، وبناء وتنمية قدراتهم وإمكانياتهم الفردية التي تمكن منظومة العمل الخيري، التي تعتمد على جهود الأفراد عموماً، والعاملين فيها خصوصاً، من الانطلاق بالمجتمعات المسلمة نحو الأفضل، معتمدة على قواعد علمية سليمة.
– الدورات التدريبية التطويرية:
مراكز التدريب المتخصصة هي من مظاهر إكساب الأفراد الخبرات والمهارات، وبناء قدراتهم العلمية والعملية خلال وقت وجيز، وبتكلفة ليست باهظة، وبشكل يليق بسرعة هذا العصر، مع إجراء الاختبارات اللازمة لقياس وتقدير مدى تحصيل المتدربين للدورات التدريبية، وقياس ما استجد عليهم من خبرات ومهارات يمكن أن تنعكس عليهم في دواوين العمل المختلفة وقطاعاته، وتزكية المتميزين منهم بعد إجراء الاختبارات في بعض الأوقات لأرباب الأعمال في القطاعات العامة والخاصة، وذلك إذا كانت مراكز التدريب هذه تتمتع باعتراف رسمي من قبل الحكومات أو المنظمات و المؤسسات العلمية الدولية.
وتعتبر مراكز التدريب في دول المنطقة الآن شعلة من شعل التطور وبناء القدرات في ميادين واتجاهات وعلوم مختلفة؛ وذلك لما تضمه ولما تستدعيه من مدربين وخبراء على مستوى متقدم من الكفاءة والقدرة على إكساب الأفراد المزيد من العلوم والخبرات.. وقد تعوق البيروقراطية إمكانية التعلم واكتساب الخبرات تحت أيديهم في الجامعات وفي المؤسسات الحكومية المتخصصة.
والجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تعتمد على العاملين بحاجة لإكسابهم كل جديد من المهارات والعلوم والخبرات، التي تعينهم على تأدية أعمالهم بشكل فيه من الحرفية والاحترافية ما يجعل الجهة التي يمثلها ذلك العامل بمثابة أكاديمية تقدم أفضل الخدمات لصالح الإنسان والمجتمع.
– الابتعاث الخارجي:
فكرة البعثات الخارجية فكرة مطروقة ومهمة، لا سيما إذا كانت الجهة الخيرية لديها أنشطة خيرية وإنسانية واسعة على المستوى الإقليمي وعلى المستوي الدولي، وتحتاج لتأهيل العاملين فيها وإكسابهم مهارات التواصل مع المحتاجين، والتعامل مع الهيئات والحكومات والمنظمات المختلفة، فإنها ستكون بحاجة لعاملين لديهم قدرات ومهارات خاصة، قد يكون ذلك من خلال الابتعاث الخارجي، ودمجهم في مؤسسات علمية عالمية متخصصة. والابتعاث الخارجي قد لا يكون بغرض تعلم الجديد، واكتساب العلوم والمهارات التي تساعد على الإنجاز والتقدم للمؤسسة الخيرية، من خلال رفع كفاءة العاملين فيها، بل قد يكون الابتعاث من أجل متابعة وتقييم الجهود الخيرية للمؤسسات والجمعيات الموازية في الخارج، ونقل المناسب بها لتعزيز الجهود الخيرية التي تقوم بها المؤسسة.
– الانتداب والإعارة والنقل:
الانتداب والإعارة والنقل من المفاهيم والإجراءات المتبعة في كل المؤسسات الإنسانية، الحكومية منها أو الخاصة، وهي من الأمور الإدارية القانونية حسب طبيعة الحال وما تقتضيه متطلبات العمل. وإعارة العاملين من الجهات الخيرية إلى جهات أخرى موازية، لديها رؤية مختلفة وسياسات عمل تضمن النجاح، وتجعل لها مكانة، قد تكون من الوسائل التي تساهم في إكساب العاملين مهارات جديدة، وبناء قدراتهم وتنميتها، إذا تم نقلهم أو إعارتهم أو ندبهم من أجل تعليم وتعلم كل جديد، ومن ثم إعادتهم إلى الجهات التي يعملون فيها؛ من أجل نقل الخبرات والمهارات الجديدة التي اكتسبوها من خلال فترة العمل، التي قد تطول أو تقصر من أجل هذا الهدف أو من أجل ما هو أبعد.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68837
