الزكاة على الوقف في الفقه الإسلامي

أرشيفية

لقد شرع الله – سبحانه وتعالى – الزكاة، فجعلها بمقادير مقدرة، وبأنواع مختلفة، ومن أنواعها الزكاة على الأبدان، وهي زكاة الفطر (1)، والزكاة على الأموال (2 ) على اختلافها وتنويعاتها. وأصل وجوب الزكاة، قبل الإجماع، آيات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)) (3 )، و قوله تعالى: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا))(4)، وغيرهما من الآيات. وأصل وجوبها – أيضاً – أخبار من السنة النبوية المطهرة، كخبر ((بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: على أنْ يُعبدَ اللهُ ويُكفرَ بما دونه، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ)) (5). ومن ثم كانت الزكاة أحد أركان الإسلام؛ فيكفر جاحدها على الإطلاق أو في القدر المجمع عليه دون المختلف فيه(6 ).
 
ومن المعروف أن الوقف في اللغة يعني حبس الأموال أو العقارات، وغيرها، ويرادفه التحبيس والتسبيل (6 ). وعند الفقهاء حبس العينِ ( أو المال ) على مِلْكِ الواقف أَو على مِلْكِ اللهِ تعالى (8). ولا شك بأن أموال الأوقاف قابلة للزيادة والتثمير والنمو، رغم أن لها مهمة هي في غالبها مهمة خيرية، يقصد من ورائها تقديم النفع لعموم المسلمين أو لفئة معينة منهم، فهل يسقط ذلك زكاة هذه الأموال المحبوسة إذا بلغت نصاب الزكاة أم لا؟؟؟ 
 
والحقيقة لقد ميز الأئمة والفقهاء بين أنواع الوقف، وحالات وجوب أداء الزكاة عن أمواله أو سقوطها، فميزوا بين حالتين واضحتين لا ثالث لهما: الأولى: إذا كان الوقف على المساكين، وهي بالمعنى العصري تعني أو تساوي الأوقاف العامة، والثانية: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم، وبلغ نصابا، وهي الأوقاف الخاصة أو الأوقاف الأهلية، وبيانهما كما يأتي:    
أولاً: زكاة الأوقاف العامة (الوقف على المساكين):
وفيه ذهب الحنابلة ( 9) والشافعية (10 ) إلى أنه إذا كان الوقف على جهة عامة، كالمساجد، والربط، والقناطر، والفقراء، والمساكين، ونحو ذلك، فلا زكاة فيها، ولا فيما يحصل في أيدي المساكين، سواء حصل في يد بعضهم نصاب من الحبوب والثمار أو لم يحصل؛ ولأن الوقف على المساكين لا يتعين لواحد منهم، بدليل أن كل واحد منهم يجوز حرمانه والدفع إلى غيره، وإنما ثبت الملك فيه بالدفع والقبض لما أعطيه من غلته ملكا مستأنفا، فلم تجب عليه فيه زكاة كالذي يدفع إليه من الزكاة (11 )، وذهب المالكية إلى أن فيه الزكاة (12 (.
ما نرجحه:
أولاً: وجوب سقوط الزكاة عن أموال الوقف إذا كانت موقوفة وقفاً مباشراً على أي نوع من أنواع المصارف الثمانية للزكاة، كما حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) (13 (.
 ثانياً: ضرورة إخراج الزكاة عن الوقف، لا سيما إن كان يصب مباشرة في الخزانة العامة، وهو ما تتحقق به المنافع المطلوب تحقيقها، والتي ربما يستفيد منها الغني أكثر من الفقير، أو يستويان في الانتفاع به، فلا تكون للفقير ميزة وعناية خاصة من الأموال الخيرية، وهو الموصى عليه من قبل رب العالمين ومن قبل خير المرسلين.
 
 
ثانياً: الأوقاف الخاصة أو الأوقاف الأهلية ( الوقف على قوم بأعيانهم ):
وفيه ذهب الجمهور  إلى أنه يلزم الموقوف (14 ) عليه زكاة الوقف إذا بلغ النصاب، وكذلك لو كان إبلا أو بقرا أو غنما سائمة، وجملة ذلك أن الوقف إذا كان شجرا فأثمر، أو أرضا فزرعت، أو كان الوقف على قوم بأعيانهم، فحصل لبعضهم من الثمرة أو الحب نصاب ففيه الزكاة ( 15) بشرطه؛ لأن المالك للأرض غير معتبر في العشر والثمار – كما يقول الحنفية. وعلى ذلك، فإن الزكاة تخرج أولا بمعرفة من يلي الوقف، ثم يفرق الباقي على الموقوف عليهم بالاجتهاد – كما يقول المالكية (16 ).
وخالفهم في ذلك بعض الحنابلة، فذهبوا إلى أنه لا زكاة ( 17) على المال الموقوف عليه لقصور الملك فيه ( 18(.
المصدر: مداد
مراجع:
[1]- روضة الطالبين: 2/150.
[2] – أضواء البيان: 8/ 271، مجموع فتاوى ابن تيمية: 25 /9: 10، شرح المقنع:11/122.
[3] – البقرة: آية رقم 43.
[4] – سورة التوبة: آية رقم 103.
[5] – رواه عبدالله بن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 8، صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 16.
[6] – نهاية المحتاج: 3/ 43.
[7] – نهاية المحتاج: 5/ 358.
[8] – معجم المعاني الجامع: الاسم (وَقف).
[9] – المغني لابن قدامة :5/372، مجموع فتاوى ابن تيمية: 31/234.
[10] – الموسوعة الفقهية: 23/236.
[11] – الموسوعة الفقهية: 23/208.
[12] – الموسوعة الفقهية: 23/236.
[13] – سورة التوبة: آية رقم 60.
[14] – دقائق أولي النهى: 2/ 408، نهاية المحتاج: 5/266، الإنصاف: 7/ 45، شرح الزرقاني على الموطأ، ص: 1360، العقود الدرية: 1/11.
[15] – المغني لابن قدامة: 5/372.
[16] – الموسوعة الفقهية: 23/209.
[17] – فتاوى السبكي: 2/71.
[18] – القواعد لابن رجب: ص – 394.