أرشيفية
إن تضرر عُمال الإغاثة ومعاناتهم هو هاجسٌ جديد وهَمٌ كبير يُضاف إلى هموم الزمن الحاضر، وأعجبُ لهذا العصر الغريب، الذي تدنت فيه الخصال الكريمة وتهاوت فيه الأخلاق الفاضلة وضلت الأفكار طريقها، حينما تضعضع الأمن وانتشر الإرهاب، في عصرٍ استوحش فيه البشر فصاروا مصدر القلق والخطر، ونظراً لتلك الحقيقة نبرئ العصر مما نحن فيه، من مزالق مشينة لا تمُت بصلة إلى دينٍ ولا عرف، وبتنا نعرف جيداً من هو المُدان فعلاً ، فكما قال الشاعر :-
نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيبٌ سوانا
أليس غريباً أن تُبتر يدٌ مُدت لعون المحتاج وإغاثة الملهوف؟ أليس من العار أن يفقد الحياة من أراد الحياة للآخرين؟ إنه والله العارُ بعينه، والجحود في أبشع صوره، اسودت وجوهُ فاعليه وبانت وضاعة مرتكبيه، الذين قلبوا موازين الإنسانية ووأدوا الضمير الحي مودعين نبيل الأخلاق إلى الأبد، ففي كل صباحٍ نرى سفلةً يتعاملون بمنتهى الحقارة والوضاعة ، ويتفننون في الإساءة إلى عمال الإغاثة الذين جاءوا بالدواء للمرضى وبالغذاء للجوعى، ومع ذلك يتم استهدافهم خطفاً وتقتيلاً ، وتعذيباً وتنكيلاً بعد تكبدهم عناء السفر ومسارعتهم لإنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة الناس، ويقابل الإحسان والمعروف بهذا السلوك المشين الذي أصبح ظاهرةً تقلق الأمم المتحدة أيما قلق على حياة موظفيها وتعرضهم للخطر، وكان من المفترض أن يتم تكريمهم والاحتفاءُ بهم، إذ إنهم لا يملكون أجندةً سياسية مناوئة لأفكار قتلتهم ، ولا هم في وضع معارضةٍ لأولئك السفاحين، بل يحملون أسباب الحياة والسلامة ، ولا همَّ لهم سوى مساعدة المستضعفين وعون المحتاجين فكيف يتعرض مثل هؤلاء للأذى والخطف والقتل .
ونظراً لتزايد وتيرة العنف، وقتل المدنيين العُزل في الأماكن المعنية بالإغاثة، وارتفاع عدد الضحايا، فإن الأمم المتحدة تتجه الآن لاتخاذ إجراءاتٍ أمنية لحماية موظفيها، مع توفير الأجواء المناسبة لهم لمواصلة عطائهم وتأمين الظروف المحيطة بهم لأداء أنشطتهم الإنسانية الحيوية .
وتشير التقارير إلى أن الصومال على سبيل المثال لا الحصر، من أكثر الجهات التي خسرت فيها الأمم المتحدة عدداً كبيراً من موظفيها نظراً لأن الأطراف المتنازعة لم تحسن تقييم الدور الفاعل لهؤلاء الموظفين، وكان من الأولى أن يفهم الجميع أنهم ليسوا أعداء ولكنهم عُمال إغاثة، فكيف ينتزع أحدٌ حياة من جاء يحملُ الحياة للآخرين ؟ وكيف تمنع أطراف النزاع هؤلاء الموظفين من أداء دورهم الإنساني لخدمة بلدٍ كالصومال فيه أكثر من 2.9 مليون شخص تلزمهم المساعدة ، وقد يرتفع العدد كما يرى الخبراء إلى 3.5 مليون، ويجد المغيثون نفس المصير في أماكن أخرى كسوريا وجنوب السودان، أما كان الأحرى بتلك الدول المنكوبة أن تقدم دعمها لوصول تلك المساعدات لمستحقيها ؟ أما كان يجدر بأهلها تكثيف الجهود وتوفير المناخ الملائم الذي يسمح بتقديم تلك الخدمات الإنسانية ؟ .
فبقدر إدراكنا يتضح أن الأزمات الإنسانية غالباً تكون وليدة النزاعات والجفاف والتضخم، ولكن من المستبعد جداً أن يكون لها تأثيرٌ على أخلاق الناس، يصل إلى درجةٍ تجعل المرء يعضُّ اليد التي تطعم ، والكف الذي يعين المحتاج ويغيث الملهوف، ولكن مع الأسف كل ذلك أصبح الآن واقعاً وحقيقة لا شك فيها، وحتى لا تتراجع جهود الإغاثة، ينبغي أن يضطلع العالم بدوره كاملاً، من حيث تجهيز قواعد حماية العاملين في هذا المجال من رجال الأمم المتحدة أو من منسوبي الجهات الخيرية، تلك المساعي من شأنها أن تطمئن كل مغيث، وبها يُضمن وصول الدعم والعون لمستحقيه في جوٍ آمنٍ مطمئن، يقدر لهؤلاء العمال تضحيتهم، ويمهد لهم سبيل ممارسة دورهم الإنساني الرائع.
المصدر: المدينة السعودية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68848
