العمل الخيري وأثره في بناء المجتمع

تعبيرية

يمثل العمل الخيري أحد أدوات القوة الناعمة داخل المجتمع لما يتمتع به من قدرة كبيرة على سد فراغات لا تتمكن السلطة الرسمية من التمدد فيها لذا حفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تحض على الإنفاق فى سبيل الله فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(.

وبشر الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بأن أموالهم في نماء وازدياد فقال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(.

كما حرص القرآن على معالجة شح النفس وخوفها من قلة المال حال إنفاقها في سبيل الله فقال جل وعلا: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

ومن هنا فإن الاهتمام بالعمل الخيرى يجب أن يكون عملاً متواصلاً مبنياً على استراتيجية علمية وواضحة ولعل من أهم الأهداف التي ينبغي للعمل الخيري أن يعمل على تحقيقها هو تحقيق العدالة الاجتماعية والتي يعول عليها كثيرا فى تحقيق استقرار المجتمع وديمومة أمنه واستقراره إذ إن غياب العدالة الاجتماعية يؤدى إلى حدوث مشاكل مجتمعية وفردية جمة والتي قد تؤدى إلى عدم استقرار المجتمع نتيجة ثورات المهمشين والجياع وشعور الفرد بالاغتراب داخل وطنه الذي يوفر له سبل الصعود والترقي الاجتماعي كما يؤدى غياب العدالة الاجتماعية إلى انتشار قيم سلبية مثل فقدان الانتماء وتفشي الكراهية والحقد بين أبناء الوطن الواحد.

وإذا كانت أسس العدالة الاجتماعية – كما وضحها الأستاذ/ سيد قطب – تقوم على تحرر الإنسان من عبودية غير الله تعالى والمساواة الكاملة بين البشر والتكافل الاجتماعي، فإن ما يهمنا هنا هو التكافل الاجتماعي والذي يلعب العمل الخيري دورا هائلاً في تحقيقه بين أطياف المجتمع المختلفة إضافة إلى الدور الرسمي الذي تقوم به الدولة عن طريق مؤسساتها الرسمية وتشريعاتها المختلفة التي تفتح آفاق المساواة بين الجميع .

والتكافل الاجتماعى المنشود يأخذ أشكالاً متعددة نذكر منها هنا :

أولاً: المساهمة فى إعادة توزيع الزكوات سواء كانت زكاة المال أو الفطر مما يسهم فى سد رمق آلاف الأسر التى لا تسأل الناس إلحافاً، بل وقد يصنفهم الناس من شدة حيائهم فى تعداد الأغنياء الموسرين وهذا يتطلب من مؤسسات العمل الخيرى ضرورة بناء قواعد معلومات صحيحة عن المحتاجين والفقراء فى الأحياء والنواحى البعيدة والتى قد تعجز يد الدولة الرسمية عن الوصول إليها مع مراعاة تجديد قواعد البيانات باستمرار ضماناً لدخول أكبر قدر ممكن تحت مظلة الرعاية الاجتماعية. خاصة وأن زكاة المال يستحقها ثمانية أقسام ذكرهم الله تعالى فى قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) وهؤلاء المذكورون فى الآية الكريمة يحتاجون إلى مزيد من التعاون بين العاملين فى مجال العمل الخيرى من أجل إيصال الزكاة إليهم .

ثانياً: إسهام العمل الخيري الفعال فى رعاية الموهوبين والمتفوقين والذين قد يقعد بهم الفقر والعوز عن إكمال مشوار تعليمهم مما قد يؤدى إلى إصابتهم بحالة من الحقد على المجتمع الذي لم يوفر لهم الرعاية اللازمة لمواصلة مشوار تفوقهم ومن ثم الإسهام فى تغيير وضعهم الاجتماعي وأيضا قد يحرم المجتمع من ناحية أخرى من هذا النبوغ الذي قد يقف الفقر عائقا أمام تحوله إلى مشروع منتج لصالح المجتمع ونهضته .

ثالثاً: ضرورة توسع العمل الخيري في رعاية الأيتام الذين فقدوا عائلهم وعدم تركهم كريشة في مهب الريح تتقاذفها المحن والأنواء حتى لا يتحول هؤلاء الأيتام إلى قنابل موقوتة أو مشاريع للهدم خاصة في غياب العائل والمربى مع ما يترتب على ذلك من فقدانهم الانتماء لأوطانهم لذا فإن العمل الخيري مطالب بتكثيف الجهود فى مجال رعاية الأيتام تحقيقا للتكافل الاجتماعي المأمول .

رابعاً: ضرورة إسهام العمل الخيري فى معالجة مشكلة البطالة والتي تؤدى إلى فقدان الشباب الإحساس بالمساواة داخل المجتمع خاصة بعد قضائهم سنوات طويلة داخل حقل التعليم ثم انضمامهم إلى طابور العاطلين ومساهمة العمل الخيرى قد تكون فى صورة توفير قروض حسنة لهؤلاء الشباب لبدء مستقبلهم العملي بعيداً عن الحقل الإداري للدولة، وقد جربت دول مثل مصر إنشاء صناديق خاصة بإقراض الشباب من أجل إقامة مشاريع إنتاجية مقابل التنازل عن حقهم فى الوظيفة الحكومية ولكن الإشكالية الكبرى التى واجهته كانت فى ارتفاع نسب الفوائد المحصلة على مبلغ القرض مما أدى بكثير من الشباب إلى السجن بعد عجزهم عن دفع الأقساط المقررة عليهم بعد تراكم أقساط الفوائد ومن هنا فإن المؤسسات الخيرية بإقراضها الشباب الجادين فى إقامة مشروعات تنموية بدون فوائد فإنها بذلك تسدى لهم وللمجتمع خدمة عظيمة من أجل تحقيق التكافل الاجتماعي المنشود.

والخلاصة فإن أبواب التكافل الاجتماعي أبواب عظيمة وكثيرة وكلها تصب في نهاية المطاف في تحقيق العدالة الاجتماعية التي يجب أن تكون هدفاً للعمل الخيري المنظم.