تعبيرية
أحكام الوقف: نفع الأخرين والوقوف إلى جوارهم سنة إسلامية جليلة، وهي دليل الصلاح والخيرية لقوله صلى الله عليه سلم (خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ)[1]، ويتعاظم أثر هذا النفع من خلال بذل المال والجهد ، والسير في طريق نفع الغير هو سلوك إختياري يصل في أحايين كثيرة إلى درجة الواجبات والفروض لا سيما إن كان الأفراد لديهم الطاقات والإمكانات المادية التي يفترض فيها الاقتطاع من أموالهم وجهدهم ومثالها بلوغ المال نصاب الزكاة ،وكلما كانت الظروف مواتية ، ولكن وكما هو معلوم فإن التقرب لله ببذل المال ليس حصراً على الأغنياء وليس حصراً على مواسم الطاعات فالباب إلى الله وإلى نفع الآخرين مفتوح دائماً، ومثلما لجهود وعطاءات المقتدرين فيه دور فإن للبسطاء من الأقل ثراء فيه جهود وإسهامات وأدوار ، ولها أهميتها في المجتمع الإسلامي، والوقفيات الصغيرة هي أحد إسهامات البسطاء لنفع عموم العامة والفقراء خاصة ، وخاصة ممن أدركوا حقيقة قول النبي فيما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه سلم قال (إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ : إلا من صدقةٍ جاريةٍ . أو علمٍ ينتفعُ به . أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [2] ، وإختاروا سبل السير نحو الجنان .
ماذا تعني الوقفيات الصغيرة …؟؟؟
الوقف عموماً هو حبس الأصل والتصدق بالمنفعة [3]، والمنافع المقصودة تشمل كل أنواع الخير المشروعة التي يجوز الانتفاع بها ، والوقف مسنون لقوله تعالى (وافعلوا الخير) ولفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه[4]، فقد روي أن رجلًا من أحبارِ اليهودِ ، يقالُ له : مخيريقُ ، خرج يوم أحدٍ يقاتلُ مع النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقال : إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمدٍ يضعُه حيث شاء، فقتل يومئذٍ ، فقبض رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أموالَه ، فقيل : إنه فرقها وتصدق بها، وقيل: إنه حبسها ووقفها[5] ، وقيل أنه أول وقف وُقف في الإسلام ، وكان في السنة الثالثة من الهجرة ([6])، وعن إبن عمر رضي الله عنهما أن عمر أصابَ أرضًا من أرضِ خيبرَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أصبْ مالًا قط أنفسَ عندي منها فما تأمرُني ؟ فقالَ ( إن شئتَ حبَّسْتَ أصلَها وتصدقتَ بها فتصدقَ بها عمرُ – على أن لا تباعَ ولا توهبَ ولا تورثَ – فى الفقراءِ وذوي القربى والرقابِ والضعيفِ وابنِ السبيلِ لا جناحَ على من وليَها أن يأكلَ منها بالمعروفِ ويُطعِمَ غيرَ متمولٍ وفى لفظٍ غيرَ متأثلٍ مالًا )[7] ، وليس معنى ما تقدم أن الأمر مقصور على الوقفيات الكبيرة وإلا لما حض المولى سبحانه وتعالى على أقل أعمال وأفعال الخير في قوله الكريم (ومن يعمل مثقال ذرة خير يره) ولما حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في أكثر من موضع فعنجابر بن سليم رضي الله عنه أنه قال : قال صلى الله عليه وسلم (لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئًا)[8] وقوله صلى الله عليه وسلم (اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ ، فمَن لم يَجِدْ فبكلمةٍ طَيِّبَةٍ)[9]، وكم من أشياء صغيرة لها قيمتها وأهميتها وزاد نفعها .
القيمة الخيرية والإجتماعية للوقفيات الصغيرة
– الوقف يدل على نضج في الوعي الفردي ، والحرص على الأجر .
ففاعل الخير الذي يعرف حقيقة الوقف وأنهمن أحسن أبواب القرب [10] بل أنه أفضل أبواب العمل الخيري حيث يدوم أجره مادام نفعه ، وهو أفضل صنوف الأعمال الخيرية بإختيار الكثير ممن العلماء ففي فتاوى قاضي خان رجل جاء إلى فقيه وقال إني أريد أن أصرف مالي إلى خير عتق العبيد أفضل أم اتخاذ الرباط للعامة قال بعضهم الرباط أفضل [11]، وهو ما يعني أن للوقف هذه الأفضلية ، وأن من يقوم به ويؤديه يعرف هذه الحقائق ويسعى نحو هذا الفلاح المستمر ، بنفع العامة أو الخاصة من الفقراء والمعوزين بعمل يدوم أجره مثلما يدوم نفعه .
– الوقفيات الصغيرة مقياس الممارسة الخيرية والمسئولية الإجتماعية.
والوقفيات الصغيرة هي أحد وجوه الممارسة الخيرية وأحد أهم مقاييس قوة تماسك المجتمعات ومعرفة أخلاقياتها وقدرتها على المنافسة والتقدم وسط مجتمع عالمي تمثل فيه المادية غالباً كل شيء من كل شيء ، والممارسة تساوي المشاركة الفعالة والحقيقية ، الوقف في هذا المفهوم يعني الإستغناء كلياً عن ثمرة أو منفعة ما يمتلكه الإنسان ووقفه في سبيل الله لينتفع به الأخرين ، وهو ما يعني وصول الأفراد إلى مرحلة الشعور بالمسئولية والتي تتبلور بمثل هذا العمل الإيجابي .
– الوقف له آثار إجتماعية وإنسانية مهمة .
للوقف آثار كبيرة ومتنوعة لا يسع المقال في التطرق إليها ، فالوقف أحد أكبر صور ومصادر دعم المنظومة الخيرية والإنسانية والإجتماعية والتنموية والعلمية والصحية، وتاريخ الوقف في العالم الإسلامي ثري وملهم ، والوقف شريك النهضة لاسيما إن أدركت المجتمعات قيمته وضرورته وعملت على تنميته وزيادة ريعه وأعداد المستفيدين منه، ولقد ساهمت الأوقاف باعتبارها صدقةً جارية بتنمية مجالات كثيرة داخل القطر الواحد، ولم يَخْلُ بلد إسلامي ولا عصر من عصور الإسلام من إنجاز مشاريع لكفالة المعوزين والمحتاجين كفالةً تضافرت فيها المبادرات الجماعية مع المبادرات الفردية والمبادرات الرسمية للولاة والأمراء[12]، والوقفيات الصغيرة كان لها أكبر الآثار في تحقيق السلام والأمن الإجتماعي فكان الواقفون كانوا يوقفون أموالاً بصندوق خاص، يُسعَف به كلَّ ولدٍ يتعلم صنعةً ما، ومن تَنكسر له آنية خزفية، فيخاف من عقاب معلِّمه[13] أو سيده.
من الوقفيات الصغيرة التي لها آثار كبيرة
الوقفيات الصغيرة في هذا الوقت يعول عليها الكثير لا سيما أن ضروراتها ملزمة مع شدة الحاجة وتزايد الضغوط وعجز الأنظمة عن توفير كامل المتطلبات بشكل يرضي العامة وخاصة الفقراء والمساكين ، ومن الوقفيات التي يروج لها النشطاء في ميدان العمل الخيري مستلزمات المستشفيات كالكراسي المتحركة والنقالات وأسطونات الأكسجين الطبي وسيارات الإسعاف ، ومنها أيضاً الحمامات العامة فأغلب أوطاننا وبلادننا لها هندسة عجيبة فلا تجعل للعامة أماكن تأويهم دون مقابل ، رغم أن الأرحية ودور ر الضيافة كانت في أرجاء الدولة الإسلامية قديماً، حتى كانت بعض المدن ملأى بهذه الدور ، فقد ذكر "ابن كثير" أن الخليفة العباسي "المستنصر بالله" أنشأ بكل محلة من محال "بغداد" دار ضيافة للفقراء، لا سيما في شهر رمضان[14]، ومنها أيضاً الوقف على الكتب وعلى طلبة العلم.
والله من وراء القصد ..،
مراجع:
[1]- ميزان الاعتدال للذهبي (3/248) ،حسنه الألباني صحيح الجامع (3289) وفي السلسلة الصحيحة (426)
[2]- صحيح مسلم (1631).
[3]- تعليل المختار :3/54 ، شرح المقنع :5/312 ، الأم للإمام الشافعي :8/233
[4]- كشاف القناع :4/ 241
[5]- فتح الباري لابن رجب (2/485)
[6]- نهاية المحتاج :3/359
[7]- صحيح البخاري (2737) صححه الألباني بكتاب مشكلة الفقر الصفحة أو الرقم (123)
[8]- المهذب للذهبي ( 8/4253 ) ، صحيح ابن حبان (521) ، صححه الألباني في صحيح الجامع (98
[9]- صحيح البخاري (6540) (6023).
[10]- الذخيرة للقرافي :6/322
[11]-البحر الرائق :5/206
[12]- د. صفية الودغيري(الوقف وأثره في تنمية المجتمع الإسلامي، مقال منشور بموقع الألوكة بتاريخ 13/6/2012 م)
[13]- السعيد بوركبة البعد الثقافي والمجتمعي للوقف الخيري في الإسلام، ص (85).
[14]- تاريخ البيمارستانات في الإسلام :1/203
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68851
