الانسجام قبل الكفاءة..مشكلة المنظمات غير الربحية

تعبيرية

كثيرة هي الأعمال والمنظمات الربحية وغير الربحية التي تبوء بالفشل بعد فترة من الزمن، أو على الأقل تتعثر في مسيرتها وتواجه صعوبات رغم وجود الكفاءات المتميزة والخبرات الطويلة، ووجود الحماس وتحديد الأهداف والرؤية، مع هذا تكون الإنتاجية ضعيفة، وتتدنى الفعالية والجودة.
 
يتساءل الكثير عن أسباب التعثر والفشل، نرى الصراع جلياً عند المنظمات في جلب الكفاءات والخبرات من عدة جهات لعلها تحصل على جودة في الإنتاجية، لكن يبقى التعثر وتدني الجودة ماثلاً أمام الإدارة العليا..أحد أسباب مشكلة ضعف الأداء، وعدم تحقيق الأهداف بتكلفة أقل وبربحية مرجوة، هو عدم الانسجام بين الأفراد، الذي يرتبط بالاعتقاد الذاتي والقيم التي اكتسبها والقناعات الشخصية.
 
هذا الاعتقاد والإيمان بالقيم، التي تميز شخصا عن الآخر، بحيث تنعكس على سلوكه في الأداء والعمل على المستوى الفردي أو التنظيمي، مثال نشوء الصراع النفسي والداخلي في أولويات الفرد بالحياة، حتى لو كانت أمورا شخصية، مثل مكتسبات الشخصية المعنوية والمادية ما بين الحصول على شهادة عليا، التي تعبر عن تحقيق الذات معنوياً، وما بين العمل مبكراً أو فتح مشروع يعد للكسب المادي والسريع.
 
هذا الصراع النفسي والشخصي يحدث بين المرء ونفسه، فكيف عندما يكون في فريق عمل جماعي، حيث تختلف القيم والموروثات التربوية والقناعات الشخصية الفردية، وتبرز الفروقات التي تكون رؤية وأهداف الشخص وتحدد أساليب تخطيطه وأدائه.
 
من هنا يحدث صراع الأدوار في الأعمال والمنظمات بين الأفراد، حتى لو توفرت الكفاءات المتميزة، وما إنشاء الأحزاب السياسية إلا مثال واضح على أن الكفاءة لا تكفي؛ فكل حزب لديه اتجاهات وميول وأهداف، لكن التوجهات والرؤية الحياتية للشخص تجعله يتجه نحو أهداف معينة في حزب تختلف عن أهداف آخر، بل كثيرا ما يخرج من حزب أو منظمة لعدم تطابق التوجهات والرؤية مع الآخرين، أي ما يطلق عليه «الانسجام»، وهو الرابط الأهم في فريق العمل المرتبط بتحقيق الأهداف من خلال خطط يضعها أفراد الفريق الواحد، أي يكون عملهم ذا فعالية، والفعالية مرتبطة بالقيادة المعتمدة على الإدارة التي تعرف أنها عملية مستمرة ومتفاعلة، تهدف إلى توحيد الجهود الفردية والجماعية من أجل تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية.
 
من خلال هذه الأسس بالعمل الجماعي والمؤسساتي نستنتج أن الانسجام أهم من الكفاءة؛ أي أن الانسجام أولى من الكفاءة، حتى لو وجد ضعف في الكفاءة تقوى وتغطى بالانسجام المكمل بالتكامل والمرونة التي هي عنصر مهم في الإدارة، وتتسع خاصية المرونة بين فريق العمل كلما كانت درجة الانسجام أكبر..هذا ما تثبته تجارب المجموعات التي تربطها الصداقة، معرفة الأشخاص بعضهم ببعضهم وانسجامهم تسهل التعامل مع بعض لتنفيذ الأهداف. تؤكد هذه النظرية النقابات والاتحادات التي لديها قواسم مشتركة في طبيعة التخصص وأهدافها واحدة.
 
"الكفاءة" عنصر مهم في الأداء والإنتاجية، لكن دوافع وقيم الفرد وقناعاته الشخصية هي من تشكل نمط تفكيره، وبالتالي يميل إلى الأشخاص الذين يتوافق معهم في القيم والقناعات وطرق الأداء، وليس بالضرورة التطابق التام لكن بدرجة نسبية معينة، من هنا تجد في أغلب المنظمات التكتلات في فريق العمل الواحد، المقصود ليس تكتلاً كيدياً بقدر ما هو انسجام وتوافق الآراء في تنفيذ أساليب العمل.
 
الانسجام لا يعني إلغاء دور الفرد وخصائصه في تنفيذ المشاريع، لكن يعني تشابك وتقاطع الأفكار والقناعات والميول نحو أهداف معينة يراد تحقيقها.
 
تبرز أهمية الانسجام أكثر في العمل التطوعي؛ لأنه نشاط اختياري نابع من الذات، لا يحصل صاحبه على مردود مادي، لكن دوافعه شخصية، ورغبة نفسية هي التي تحركه وتحفزه للتطوع، كما لا توجد قوانين وأنظمة تلزم المتطوع بالعمل والعطاء، فيميل للعمل مع من ينسجم معهم برغبة ودوافع ذاتية وقواسم مشتركة. العامل الخارجي المحفز هو التوافق والانسجام مع أفراد الفريق الواحد لينجزوا مشاريع وبرامج برؤية متقاربة ومتوافقة بدرجة عالية نسبياً، مثال ذلك على الفعالية وجودة الإنتاجية بالعمل التطوعي: الجماعات التي يطلق عليها ما يسمى «بالربع والشلل والجلسات الجماعية»، أثبتت جدواها في التطوع والنشاطات الاجتماعية المتميزة بالإتقان والجودة.