أرشيفية
تتخذ الحملات التي تستهدف العمل الخيري الإسلامي وجهوده الإنسانية الفاعلة على مستوى العالم، أشكالاً عدة تختلف وفقا لاختلاف المرحلة، وطبيعة أدوات الحرب التي تتصاعد تارة وتخبو تارة أخرى وفقاً لتكتيكات ومخططات من يقفون وراء هذه الحملات.
وتثبت ممارسات العديد من الدول الغربية بمساعدة مؤسساتها غير الحكومية –على الرغم من اعتقاد العديد من الخبراء في الشأن الخيري بهدوء العاصفة التي استهدفت العمل الخيري الإسلامي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001- تثبت اتخاذها أنماطاً جديدة في التضييق على العمل الخيري الإسلامي في المرحلة الحالية تحمل عناوين من أبرزها "الاستحواذ" و "الإقصاء والإحلال".
ففي وقت يشهد فيه القطاع الثالث (الخيري والمنظمات غير الحكومية) ازدهارا واسعاً في الدول الغربية المتقدمة، حيث تأمل حكومات هذه الدول أن تحتل المنظمات غير الحكومية التي تعمل على نطاق دولي مكانة مرموقة، ومن ثم تعميمها في دول العالم الثالث للوصول إلى الهيمنة الكاملة على هذا القطاع في هذه الدول فكراً وممارسةً وتمويلاً، فإن النظرة تجاه مؤسسات العمل الخيري الإسلامي لم تتغير لا سيما مع استمرار النجاحات الباهرة والإنجازات الكبيرة التي بات يحققها العمل الخيري الإسلامي، رغم إمكانياته وموارده المتواضعة مقارنة بما هو عليه حال القطاع الخيري في الغرب.
ويمكن هنا تسليط الضوء على ممارسات عدد من المنظمات غير الحكومية في الغرب تجاه المنظمات والمؤسسات الخيرية العربية والإسلامية التي تتلخص في محاصرة هذه المؤسسات ومصادرتها والتضييق عليها، على الرغم من مناداة دوائر صنع القرار في دول الغرب بضرورة دعم ما يسمى بالمجتمع المدني (أي المنظمات غير الحكومية عامةً).
يتضح من ذلك – بحسب دراسة للأكاديمي كمال منصوري- بأن المطلوب هو دعم الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية العاملة وفق المخطط الغربي, والتي تتلقى تمويلا من جهات ومؤسسات غربية، فليس مطلوبا إذا جمعيات تساعد الفقراء, أو تعين المحتاجين أو توفر مياه الشرب في إفريقيا وآسيا, أو تساعد ضحايا الحروب والكوارث أو تبني المدارس والمساجد أو تكفل اليتامى وتداوي المرضى, بل المطلوب جمعيات ومنظمات تحرض على هدم القيم والقبول بالتطبيع، والترويج لقيم العولمة الأمريكية.
ويؤيد وجهة النظر هذه محمد بن عبد الله السلومي كما جاء في كتابه (القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب)، حيث يشير إلى أن ما تم إنفاقه على المشاريع الخيرية الكثيرة التي أنجزتها المؤسسات الخيرية الإسلامية في مختلف قارات العالم من بناء للمساجد، والمشاريع في القطاع التعليمي، وحفر آبار المياه، وكفالة الأيتام، ومشاريعها في القطاع الصحي، وإذا أضفنا لكل هذا, ما تقوم به المؤسسات الخيرية الإسلامية من بناء لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، وأعمال الإغاثة والمخيمات الطبية وتوزيع لحوم الأضاحي ومراكز النشاط الخدمي الاجتماعي, ما يمكننا من فهم الأسباب الحقيقية وراء الحرب المستعرة على العمل الخيري الإسلامي، حيث كانت بداياتها في شكل "دعاوى الإرهاب" جاهزة ومعلبة.
ولا يمكن إنكار الدور كبير الأهمية لمؤسسات العمل الخيري الإسلامي بالمساهمة في نهضة مجتمعاتها، وللدور المؤسسي الواعد، لا سيما وأن القطاع الخيري بات يحتل حيزا مهما من الثروة القومية في عدد من الدول، حيث يقدم خدمات كثيرة في مجالات عدة، فالقطاع الخيري الذي تنتمي إليه المؤسسات الخيرية والمنظمات غير الحكومية، أصبح يشكل رقما هاما في المعادلة الاقتصادية في الكثير من البلدان الصناعية، وهو قطاع ثالث شريك للقطاعين الآخرين في عملية التنمية البشرية، بما يملكه من جامعات ومراكز بحثية ومستشفيات ومؤسسات استثمارية.
وترتكز إحدى أهم مقاصد العمل الخيري الإسلامي – كما يشير الكاتب والباحث إبراهيم البيومي غانم في مقال بعنوان (مفهوم العمل الخيري ومقاصده)- إلى كونه سياسة اجتماعية تستهدف القضاء على الفقر، وتسعى بشكل دائم ومستمر لتجفيف منابعه، وإخراج من يدخل في دائرته، وإعادة إدماجه في دورة العمل والإنتاج؛ كي يصبح معتمداً على ذاته، مسهماً في بناء مجتمعه وفي مساعدة غيره، خاصة أن علة الفقر تصحبها علل أخرى كثيرة مثل الجهل والمرض والبطالة والجريمة، وهي علل ذات آثار سلبية، تدمر قدرات المجتمع، وتعوقه عن التطور والنمو.
ويضيف "يسعى النظام الإسلامي عامة إلى اجتثاث الفقر من المجتمع بوسائل متعددة، وكلما نبتت بوادر جديدة للفقر ـ وهذا أمر يتكرر ولا يمكن تحاشيه ـ أسرع إلى محاصرته وتجفيف منابعه. والمثل الأعلى للمجتمع الإسلامي من هذه الزاوية هو ألا يكون فيه فقراء".
ويسهب البيومي في تعداد مقاصد العمل الخيري الذي يقول بأنه "يسهم في تحقيق درجة أرقى من التمدن الإنساني ورفع كفاءة المجتمعات في إعمار الأرض. ويأخذ إسهام العمل الخيري في تمدين المجتمعات صوراً متعددة: منها ما هو مادي في شكل تبرعات ومساعدات تعين غير القادرين على تحسين مستوى معيشتهم، ولا تتركهم نهباً للمرض أو للجهل أو للفاقة والعجز، ومنها ما هو غير مادي في شكل إسهامات معرفية وعلمية تهدف إلى تنوير المجتمع ورفع قدرات أبنائه بصفة عامة، وغالباً ما كان تمويل إنتاج العلم والمعرفة على حساب العمل الخيري تحديداً في الاجتماع السياسي الإسلامي إلى ما قبل نشوء الدولة الوطنية الحديثة.
ويتابع "يمكننا القول باطمئنان: إن أغلبية صور الأعمال الخيرية التي أسهمت في "تمدين" المجتمعات الإسلامية، وفي بناء حضارتها الشامخة، قد تجلت في "نظام الوقف" في معظم مراحل تاريخ هذه المجتمعات. فمن خلال الأوقاف وبتمويل منها نشأت أغلبية مؤسسات العلم والثقافة؛ داخل المساجد وخارجها في صورة مدارس ومعاهد، وكليات جامعية للمتخصصين، ودروس ومكتبات عامة. ومن بين أولئك الذين تلقوا تعليمهم في تلك المؤسسات الخيرية تخرج رواد كثيرون في مجالات علمية وتطبيقية متنوعة، شملت الطب، والهندسة، والكيمياء، والزراعة، والصناعة، والفلك، والصيدلة، إلى جانب مختلف الفنون والآداب والمعارف النظرية الأخرى".
ولا يتوقف دور العمل الخيري عند هذه الحدود ولكنه بحسب البيومي "يعزز العمل الخيري حالة السلم الأهلي بين الفئات الاجتماعية المختلفة بطرق متعددة، لعل من أهمها أن حصيلة المبادرات الخيرية تشكل شبكة من العلاقات التعاونية، وتدعم روح الأخوة والتراحم والتعاطف في الاجتماع السياسي الإسلامي بصفة عامة. مستشهدا بحديث العلامة ابن عاشور؛ حيث يقول: "عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة، الخادمة لمعنى الأخوة؛ فهي مصلحة حاجية وتحسينية جليلة، وأثر خلق إسلامي جميل؛ فبها حصلت مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجم من مصالح المسلمين".
وربما كان سعي دول غربية من خلال أدواتها (منظمات تعتبر نفسها غير حكومية) إلى تغييب هذه الأدوار والوظائف الهامة والأساسية للمجتمعات من خلال تغييب المؤسسات التي تقوم بهذه الأدوار عن الساحة عبر وصمها بدعم الإرهاب، وتمويل منظمات خارجة عن القانون، وعدم حصولها على التراخيص اللازمة لمزاولة عملها..وغير ذلك من الاتهامات والادعاءات، التي سقطت عن معظمها بعد ذلك بسنوات عقب معارك قضائية خاضتها هذه المؤسسات استطاعت من خلالها كشف جور ما تعرضت له من اتهامات، وإظهار مصداقية وقانونية عملها و"نصاعة" سجلاتها.
وسعت المنظمات غير الحكومية الغربية إلى ملء الفراغ بعد محاولات إضعاف وتغييب المؤسسات الخيرية الإسلامية التي دامت سنوات طويلة، ولا تزال مستمرة بأشكال مختلفة، للوصول إلى أهداف بعيدة المدى تتجاوز في ظاهرها تقديم الخدمات الإجتماعية والإنسانية، إلى العمل على حرف مسار تفكير هذه المجتمعات والتغيير في ثقافاتها ومعتقداتها، وإضعاف التزامها بقضاياها المركزية، حيث يتجلى ذلك بشكل واضح في المناطق التي تشهد صراعات ونزاعات، من أبرزها الأراضي الفلسطينية.
فعلى الرغم من أن أولى أبجديات العمل الإنساني وقواعده الأساسية أنه عمل موجه لمنفعة الإنسان المحتاج والمعوز والمنكوب والمستضعف بغض النظر عن دينه وعرقه وتوجهاته الفكرية، إلى أن منظمات غربية (غير حكومية) كالـ "يو اس ايد" USAID، وفورد، وروكفلر، تقدم مساعدات مشروطة للمؤسسات المحلية التي تتقدم بمشاريعها، حيث تشترط بشكل علني على هذه المؤسسات التوقيع على وثيقة نبذ (الإرهاب) كشرطٍ للحصول على منحةٍ منها، وهو شرط لا تشترطه العديد من المؤسسات الدولية الأخرى سواء أكانت أوروبية أو غيرها، (بحسب مقال للكاتب علاء التميمي بعنوان "مال الـ USAID: مكافحة التمرد تحت قناع التنمية" نشره موقع "شبكة قدس الإخبارية").
وبلا شك، فإن تغييب الدور التنموي والإغاثي للمؤسسات الخيرية الإسلامية في المجتمعات التي تعول على هذا الدور في نهوضها من محنها وأزماتها، إضافة لتلك التي تسهم المؤسسات الخيرية بحصة كبيرة في مشاريعها الإستراتيجية التي تستهدف تنمية قطاعات حيوية في اقتصاداتها، لا سيما في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وغيرها من القطاعات التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، سيفقدها الكثير من رصيدها الإنساني ومصداقيتها لدى المتبرعين والمستحقين على حد سواء، ويقلل من قيمتها وجديتها في نظر أبناء المجتمعات الذين ينتظرون منها الكثير.
وقد وصلت العديد من المؤسسات الخيرية الإسلامية لمراتب عالمية عليا استطاعت من خلالها أن تعكس المستوى الحضاري والثقافي لشعوبها ودولها، وتؤهلها لتكون في مستوى مؤسسات الدول الغربية من نواحي عديدة من بينها الإمكانيات المادية، ونوعية وريادية المشاريع التي تنفذها، وكذلك المهنية العالية، ودرجة التنظيم والإدارة المتقدمة التي راكمتها من خلال خبراتها، وحجم الاستفادة من التقنيات الحديثة بشكل واسع بما يواكب حركة التطور في هذا المجال على المستوى الدولي.
وربما باتت العديد من المنظمات غير الحكومية الغربية تنظر لمؤسسات العمل الخيري الإسلامي نظرة "تنافسية" دفعتها – ومن ورائها دولها المتقدمة- إلى إتباع سياسة الإقصاء عن ميدان العمل الخيري، وإحلال المنظمات غير الحكومية الغربية مكانها، لتستحوذ وحدها على المشهد ولتكون صاحبة الفضل الأكبر والخير الأعم على المجتمعات، بدلاً من أن تقوم هذه المنظمات بمد يدها لغرض فتح آفاق واسعة تتيح العمل بشكل تنسيقي تعاوني مع هذه المؤسسات للخروج بمنتج خيري تنموي متكامل وذو جودة عالية، يشكل حالة نهضوية تستفيد منها كافة الشرائح المجتمعية.
وينتج عن سلوك "المنظمات غير الحكومية الغربية" هذا حالة مشوهة لعمل ربما لم يعد خيرياً ولا إنسانياً بعدما حرم شرائح كبيرة من أبناء المجتمعات الإسلامية من مستحقاتهم من المساعدات، وحصتهم من التنمية، ما جعل هذه الشرائح تشكك بجدوى العمل الخيري ومؤسساته في عصر يشهد أزمات اقتصادية وإنسانية متتالية، واتساع غير مألوف لرقعة الفقر والمرض والبطالة في مختلف بقاع الأرض.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68861
