التقرير البريطاني بشأن الإخوان المسلمين..وتأثيراته على العمل الخيري

منظر عام من العاصمة البريطانية لندن- أرشيفية

يفتح مضمون تقرير الحكومة البريطانية بشأن جماعة الإخوان المسلمين الباب واسعاً أمام تكهنات حول طبيعة تعامل لندن مستقبلاً مع المؤسسات الخيرية الإسلامية بشكل عام، بما فيها تلك التي تتبع الجماعة، لا سيما بعد تصريحات مباشرة لمسؤولين بريطانيين على رأسهم رئيس الحكومة ديفيد كاميرون تحمل في فحواها نية اتخاذ إجراءات رقابية بشكل أكبر على عمل هذه المؤسسات.
وتتسع دائرة الانتقادات للتقرير الذي صدر في ديسمبر الماضي، لتشمل ساسة وإعلاميين وناشطين حزبيين، فضلاً عن العاملين في القطاع الخيري الذين عبروا عن خشيتهم إلى جانب انتقادهم لما ورد في التقرير من التباسات وتجنٍ قد تقيد حركة العمل الخيري في بريطانيا وربما يشكل عائقاً أمام إنشاء مؤسسات خيرية جديدة.
ففي الشق السياسي، يرى منتقدو التقرير الذي خلص إلى إدانة جماعة الإخوان المسلمين دون حظرها، بأنه من الجور إثارة شبهة الارتباط بالتطرف إلى الجماعة التي تخلو أدبياتها وبرنامجها السياسي من أي تبنٍ للتطرف والعنف شكلاً ومضموناً، حيث يُثبت –على سبيل المثال- إصرارها على انتهاج "السلمية" كوسيلة للوقوف في وجه الانقلاب في مصر على الرغم من التنكيل بحق قيادات الجماعة وأسرهم، وأعضاء الجماعة، التي وصلت إلى حد القتل والتعذيب في السجون بما في ذلك الاغتصاب، والملاحقات المستمرة، الدليل الأبرز على رفض الجماعة للعنف منهجاً لها.
وإذا كانت المملكة المتحدة قد لجأت إلى تقرير هزيل كي تحمي مصالحها الاقتصادية مع دول عربية اتخذت من الإخوان المسلمين عدوها الأول، وذلك بعد ضغوط مارستها هذه الدول على لندن لوقف أي نشاط للجماعة على أراضيها، واختارت أن تمارس التمييز بحق مكوّن اجتماعي وسياسي في مجتمعها، من جهة، فإنها وقعت، من جهة أخرى، في خطأ أكبر، حين أعلنت عن قيود ورقابة صارمة ستمارسها على المؤسسات والجمعيات الخيرية، حيث من المحتمل أن تمس هذه القيود قيم مجتمعها ومبادئه وقوانينه التي تولي العمل الإنساني كل الحرص والاهتمام، لدرجة أنه بات هوية تميز المجتمع البريطاني، لا سيما حينما يتباهى هذا المجتمع بأعداد الجمعيات الخيرية الكبيرة والتي تقدر بالآلاف، ليكون بذلك مدرسة في العمل الخيري والإنساني وأنموذجاً تتبعه الكثير من المجتمعات في العالم.
وتتضاعف حالة الخوف والخشية من تضرر العمل الخيري لأسباب كثيرة أولاها كون بريطانيا تحتضن العديد من مؤسسات العمل الخيري الإسلامي، حيث شهدت هذه المؤسسات مراحل من التطور سبقت مثيلاتها في مختلف دول العالم، أفادت بمشاريعها وفعالياتها مجتمعها ومجتمعات أخرى في مختلف قارات العالم، حيث الأيتام والفقراء والمنكوبين، وفئات مختلفة من مستحقي المساعدة والإغاثة يستفيدون مما تقدمه الأيادي البيضاء هناك.
وعلى الرغم من كون المؤسسات الخيرية في بريطانيا تخضع للقوانين والرقابة من قبل "مفوضية الجمعيات الخيرية" التي تعتبر جهة رقابية مستقلة، لها مقرراتها الخاصة، وتتبع إداريا لوزارة الداخلية، تمارس من خلال عملها نوعاً من الرقابة الدقيقة والفاعلة، والتي ضمنت خضوع هذه المؤسسات للقانون بشكل تام، لا يمكن معه أن يترك فسحة للتلاعب أو التجاوز على القانون، لا سيما وأن الملفات والأوراق المالية والإدارية الخاصة بها مفتوحة أمام موظفي المفوضية متى شاءوا الاطلاع عليها وتدقيقها، إلا أن الجمعيات الخيرية كانت إحدى محاور اهتمام معد التقرير "جون جينكنز"، سفير بريطانيا في السعودية، التي ركز عليها إبان إعداده للتقرير، بعد أن طلب معلومات حول نتائج تحقيق أجرتها المفوضية مع عدد من الجمعيات سابقاً، لم يفصح عن هذه المعلومات، بحسب صحيفة الـ"ديلي تلغراف" البريطانية، ما يؤكد بأن المؤسسات الخيرية الإسلامية شغلت اهتمام من قاموا بإعداد التقرير، وكانت في الحسبان.
وقد عبر ناشطون في العمل الخيري بشكل صريح عن مخاوفهم نتيجة القيود المزمع فرضها من جانب الحكومة البريطانية على مؤسسات العمل الخيري والإنساني تتلخص في احتمالية زيادة الرقابة على مؤسسات دون غيرها، التي قد تقود إلى ممارسة شكل من أشكال التمييز العنصري والسياسي، مما يشكل بدوره عائقا أمام إنشاء المؤسسات الخيرية مستقبلاً.
وفي ذلك، يعبر عضو في "مؤسسة شركاء السلام والتنمية" (غير ربحية مقرها لندن) الدكتور عصام يوسف عن خشيته من ممارسة التمييز تجاه من يؤسسون الجمعيات الخيرية، وليس ماهية هذه الجمعيات، أي من أن "يصبح من أنت هو المشكل وليس ما تفعل، والقانون والقضاء لن يقبل بذلك مما سيثقل كاهل المؤسسات في المرافعات القانونية، وسيعقد المشكلة مع البنوك مما سيساهم في حرمان المجتمعات الفقيرة" بحسب تعبيره.
وأضاف بأن "الجانب السلبي في هذه القيود يكمن في احتمالية خضوع العمل الخيري للقرار السياسي، وليس القوانين التي تراقب عمل جميع الجمعيات على حد سواء، مما سيزيد التعقيدات الإدارية، ويرفع الكلف المادية على هذه الجمعيات".
ويترك تقرير الحكومة البريطانية المؤسسات الخيرية في حالة من التوجس إذا ما ازدادت الضغوطات من جانب دول الإقليم التي تحارب جماعة الإخوان المسلمين من أجل اتخاذ إجراءات أوسع تهدف للتضييق أكثر فأكثر على عملها بحجة تبعية عدد من المؤسسات الخيرية للجماعة، وفيما إذا ما استخدمت الحكومة البريطانية صلاحياتها إضافة للقضاء لتقييد حركة المؤسسات والجمعيات الخيرية واستنزافها، بل وتشويه صورتها أمام المجتمع البريطاني بغرض إفقادها المصداقية.
ربما وجدت الحكومة البريطانية نفسها مضطرة بعد ضغوط مستمرة من قبل دول عربية تربطها بها مصالح اقتصادية إلى الخروج بتقرير – أرجأت حكومة كاميرون الإعلان عن صدوره عدة شهور- يحمل في طياته الكثير من المغالطات والالتباسات، حيث ألمح إلى علاقة جماعة الإخوان بأطراف متطرفة، وفي الوقت ذاته لم يؤكد أو يعطي أدلة دامغة على تورط الجماعة بالإرهاب أو التعصب، على الرغم من تصريحات لكاميرون أشار فيها إلى علاقة الإخوان بحماس، متناسياً بأن "حماس" هي حركة مقاومة تنتمي للشعب الفلسطيني الذي تجيز له الشرائع والقوانين الدولية مقاومة الاحتلال في سبيل حصوله على حقوقه المغتصبة وتقرير مصيره.
كما أن أي صلات مزعومة بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين بجماعات مسلحة في سوريا مناهضة للنظام الدموي في دمشق، لا تخرج بالضرورة عن دورها الإغاثي الذي يستهدف مساعدة المنكوبين والجوعى الذين يقطنون المناطق المحاصرة في سوريا، إضافة للنازحين واللاجئين الذين تقدر أعدادهم بالملايين داخل سوريا وخارجها، في حين ينسجم أداء هذه الجمعيات مع موقف بريطانيا السياسي والإنساني في آن معاً.
وأمام ذلك، فإن الحكومة البريطانية تعرف جيدا بأنها لا يمكن أن تخوض حرباً بإيعاز من ضغوط خارجية على مؤسساتها الخيرية والإنسانية، وحتى الإسلامية منها، خاصة إذا ما علمنا بأن الجالية المسلمة منفتحة على المجتمع ولها ممثلين في البرلمان ووزراء في الحكومة، ويعتبرون جزءاً ومكوناً من مكونات المجتمع البريطاني.
علاوة على ذلك فإن تجاوز القوانين، أو التحايل من خلال القانون، ينظر إليه البريطانيون كخطيئة لا يمكن التغاضي عنها في مجتمع كان السباق في أوروبا إلى إرساء قواعد النظام الديمقراطي، وسيادة القانون، وبناء دولة المؤسسات، وصون الحريات العامة.