على مدى عقود من الزمن، ومن خلال جهود جبارة في سبيل الارتقاء بالصورة المثلى التي تليق بالعمل الخيري الإسلامي، يواكبها حالة غير متناهية من البذل والعطاء، استطاعت المملكة العربية السعودية أن تساهم بالنصيب الأكبر في بناء صرح هذا المنجز الذي يعتبره المسلمون مفخرتهم التي يتباهون بها أمام العالم أجمع، لا سيما وأن العمل الخيري والإنساني يعد أحد مكونات وأساسات الفكر والشخصية والهوية الإسلامية، كما يدخل ضمن عبادات المسلم وواجباته الشرعية.
وقد جاء هذا الإنجاز بفضل عوامل عدة اجتمعت لتقدم للإنسانية مشروع العمل الخيري الإسلامي، من أبرزها حكمة القيادة السعودية على مر التاريخ في توجيه المؤسسات الخيرية، والعمل الدؤوب على تطوير آليات عملها، وتوسيع أنشطتها لتصل إلى ميادين لا تحدها حدود، فضلاً عن العطاء الكبير النابع من كرم أخلاق الشعب السعودي المستمد من سماحة الإسلام، وأصالة المُثل والعادات العربية الكريمة.
فقد لعبت قيادات المملكة العربية السعودية الدور الريادي في تأسيس هيئات ومنظمات ومؤسسات للعمل الخيري استطاعت بفضل منهجية عملها المواكِبة للتطورات، واستشعارها لشكل وحجم المعاناة الإنسانية في مختلف بقاع الأرض، أن تتبوأ مكانة رفيعة بين مؤسسات العمل الإنساني في الغرب التي تحظى بالدعم المباشر وغير المباشر من جانب دول متقدمة سعت على مدى سنوات طويلة للإمساك بخيوط العمل الخيري العالمي، والتحكم بتفصيلاته.
من بين هذه المؤسسات التي حملت على عاتقها إغاثة المحتاجين في شتى بقاع الأرض "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" التي أنشئت أمانتها العامة عام 1972 بأمر من الملك فيصل لتكون بذلك نواة لأول هيئة إسلامية عالمية متخصصة في شؤون الشباب المسلم، تتبنى قضاياه، وتأخذ على عاتقها إحياء المعاني السامية للتضامن الإسلامي، وتسعى إلى توثيق الروابط بين منظمات العمل الإسلامي، إلى جانب ذراعها الإغاثي الذي أبلى أحسن البلاء منذ تأسيس الهيئة في تنفيذ برامج إغاثية متنوعة من أهمها كفالة الأيتام ومساعدة المناطق المنكوبة في الحروب والكوارث الطبيعية.
وحرصت المملكة العربية السعودية خلال تاريخها، وعبر مؤسساتها الخيرية، على تقديم يد العون للمنكوبين والمحتاجين في كافة أنحاء الأرض، وبشكل أخص الأشقاء في عدد من البلدان العربية الذين يعيشون ويلات الحروب والصراعات، ما رفع من مكانة المملكة على المستويين العربي، والإسلامي والدولي، وجعل المملكة ملاذاً للمظلومين والمحرومين والفقراء والمساكين دون تمييز تجاه عرق أو دين أو جنس.
وأية أصوات تنادي بخلاف هذا النهج، في هذه المرحلة، لا سيما مع سوقها لتبريرات الضغوط الخارجية، بالتخلي عن دعم مؤسسات العمل الخيري والإغاثي التي قدمت للتاريخ الإنساني من خلال عملها الدءوب مثالاً يحتذى في البذل والعطاء، سيكون معنى ذلك تخلياً عن الدور الريادي للمملكة في هذا المضمار، وتراجعاً عن أداء هذه المؤسسات لدورها كسفير ينقل رسالة تحمل في فحواها كرم البذل والعطاء لدى الشعب السعودي كممثل للعرب والمسلمين كافة.
ولعل من المهم لهذه الأصوات أن تدرك كل الإدراك أهمية الدور الإغاثي السعودي على مدى تاريخه المشرّف والذي حظي بالفخر على المستويات العربية والإسلامية والعالمية، حيث رفع من خلال منجزاته الكبيرة، والتي يشار لها بالبنان، مكانة المملكة إلى أرفع المراتب بعدما جادت المملكة قيادة وحكومة وشعباً بالكثير من أجل قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية العادلة.
كما أنه من الضروري التأكيد على عدم إمكانية إغفال الجهود الخيرية لمؤسسات المملكة والتي اتسمت بفعل عطائها، وجودة أدائها، ونزاهة وقانونية نهجها، بـ"العالمية"، والتي كانت بمثابة سفراء الخير للمملكة لدى الشعوب الفقيرة والمحتاجة، كما ستبقى إلى الأبد منجزات هذه المؤسسات ومنها "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" ماثلة تتحدث عنها الأجيال في مختلف بقاع الأرض، لا سيما وأنها فتحت آفاقاً مستقبلية أمام مئات الآلاف من الشباب الذين أكملوا تعليمهم العالي بفضل دعمها ودعم الشعب السعودي، والذين سيظلون ممتنين للمملكة التي ساهمت في صناعة مستقبلهم، بعدما أسهمت مشاريعها الإنسانية والخيرية في تنمية قدرات الشباب في العالمين العربي والإسلامي مما يجعل هؤلاء الشباب مرتبطين ارتباطاً وجدانياً بالمملكة العربية السعودية، ليصبحوا بالتالي سفراء خير للمملكة، ما يعزز في النهاية مكانة المملكة على المستويين العربي، الإسلامي والدولي كدولة راعية للشباب ولطموحاتهم.
كما أن الجهود الكبيرة لـ "هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية" المنبثقة عن "رابطة العالم الإسلامي"، وجهود رابطة العالم الإسلامي ذاتها، التي تتحدث عن نفسها في كل مكان وطئته الهيئة، وقد كان لها كل الأثر الإيجابي على ملايين الجوعى والعطشى في العالم بأسره، حيث تنوع عملها بين كفالة الأيتام، ونشر الدعوة الإسلامية، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات، ومراكز التعليم والتدريب المهني، وحفر آبار المياه، وتقديم المساعدات الإغاثية الإنسانية..وغيرها من أعمال الخير المباركة، وهذا ينطبق على كثير من المؤسسات الخيرية السعودية الأخرى، مما أسهم بشكل جلي في رفع مكانة المملكة لدى شعوب العالم وعزز مكانتها الإنسانية لدى المنظمات الدولية.
وبلا شك، فإن استمرار ما تقدمه المؤسسات الخيرية والإنسانية السعودية، وخاصة التي تتخذ طابعاً دولياً منها، يعتبر استمراراً وتعزيزاً للدور الإنساني السعودي، بينما سيترك غيابها فراغاً كبيراً، فالانسحاب من ميادين العمل الخيري والإنساني لا يعد عملية "جلد للذات" فحسب، بل هو تدمير لها، فيما سيملأ هذا الفراغ على الأغلب جهات دولية اتخذت لنفسها شعاراً وهو "شراء عقول وقلوب الناس" نحو بلدانهم، حيث يعتبر ذلك الشعار أمراً مقبولاً ومحبذاً إذا ما نظرنا إليه من منظور إيجابي، وذلك في إطار عمل دبلوماسي استراتيجي غرضه التسويق لهذه البلدان، حيث من المحتمل أن تعمل هذه الجهات على تبديل وتغيير المبادئ والمفاهيم الإنسانية التي أسست لها المؤسسات الخيرية السعودية العالمية على مدى عقود من الزمن.
وتظهر جلياً الانعكاسات المباشرة لإغلاق العديد من المراكز التابعة للندوة العالمية للشباب الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، وعدد من الجمعيات مؤخراً، على الشرائح المستفيدة من المساعدات الإنسانية لهذه المؤسسات، حيث تقول أم لأطفال تكفلهم الندوة "إن أطفالي سيفقدون أباهم مرة ثانية اذا لم تصلهم مساعدة الندوة"، أما الطفلة فتؤكد "لقد كان الكافل عبر الندوة العالمية للشباب الإسلامي كمثال أبي الذي رحل عنا و نحن في أمس الحاجة له ولا أدري من سيكون لنا إن تخلت عنا المملكة العربية السعودية ".
أما محسن (أحد المتبرعين)، فيقول "لم أعد أجد الوسيلة الآمنة لإيصال صدقتي وزكاتي للفقراء والمساكين بعد إغلاق مكاتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي ومكاتب رابطة العالم الإسلامي مما سيثقل عبء القيام بواجباتي الدينية و الأخلاقية نحو الفقراء و المساكين ".
وتتنوع الفئات المتضررة حيث يؤكد مسؤول كفالات الأطفال بدار اليتيم بغزة "أننا نعيش مأساة الاحتلال الإسرائيلي والحصار على غزة ونخشى ما نخشاه أن تزداد آثار الحصار والفقر والجوع اذا تراجعت المؤسسات الخيرية السعودية عن العطاء وكفالة الأيتام الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف ".
ويضيف "وإننا في قطاع غزة لنتوجه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ورعاه أن يعزز دور المؤسسات الخيرية السعودية لما لها من دور إيجابي في المحافظة على أطفالنا في فلسطين المحتلة و أن لا يسلمنا للاحتلال الإسرائيلي الذي قتل آباء آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني عبر سنوات الاحتلال".
ومن المجحف اليوم التسليم، بأي شكل من الأشكال، بالتضييق والتحريض من جهات تدعمها الرواية الإسرائيلية، وتقف وراءها اللوبيات الصهيونية في عدد من دول العالم، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أدت محاولاتها للنيل من المؤسسات الخيرية الإسلامية إلى ملاحقة عدد منها قضائياً، وإغلاقها دون وجه حق، حيث تبين بعد سنوات سلامة الموقف القانوني لهذه الجمعيات، ليُعلن القضاء فيما بعد براءتها (مؤسسة الحرمين في الولايات المتحدة على سبيل المثال) من أية تهم منسوبة إليها من ضمنها دعم جماعات متطرفة، أو ما شابه.
ولا تزال الكثير من مؤسسات العمل الخيري الإنساني تعيش منذ عدة سنوات تحديات استثنائية فرضتها الظروف السياسية التي يشهدها العالم، كالفهم الخاطئ لرسالة وأهداف هذه المؤسسات من ناحية، والتجني عليها من قبل بعض الأطراف التي تسعى لإفراغ ساحة العمل الخيري من المؤسسات ذات الطابع الإسلامي وإحلال مؤسساتها مكانها من ناحية أخرى.
لقد بات مطلوباً اليوم إجراءات عاجلة تهدف لتدعيم موقف وموقع المؤسسات الخيرية السعودية، من خلال إنشاء حكومة المملكة لجهازٍ يكون من مهامه التنظيم والمراقبة والإشراف على عمل المؤسسات الخيرية في المملكة، يعمل على مساعدة وتمكين هذه المؤسسات وحمايتها من الاستغلال وسوء الاستخدام، كما أنه سيقيها من حملات التشويه التي تستهدفها لتغيّب دور المملكة الإنساني في العالم بقصد إحلال دور آخر محله.
إن تجربة مفوضية العمل الخيري البريطاني Charity Commisioners التي يزيد عدد المؤسسات الإنسانية التي تشرف عليها، ومسجلة ضمن قوائمها يزيد عن 40 ألف مؤسسة تقدم من خلالها مساعدات يقدر حجمها بـ 80 مليار جنيه إسترليني داخل بريطانيا وخارجها، مثال ناجح في هذا المجال بعدما قامت باحتواء مؤسساتها الإنسانية في جهاز رقابي تشرف عليه الحكومة يتبع وزارة الداخلية، وذو استقلالية إدارياً، وبشكل مستقل عن الوزارة، ويهدف في المحصلة لتعزيز دور هذه المؤسسات وترشيد أدائها وحمايتها وتمكينها من أداء رسالتها وأهدافها نظراً لأهمية الدور الذي تقوم به باسمها وباسم الشعب البريطاني والدولة البريطانية، دون اللجوء بأي حال من الأحوال إلى تحجيمها وتقليص دورها، كما كان النجاح حليف دول أخرى اتبعت السياسة ذاتها.
والثقة كل الثقة بأن تخطو المملكة العربية السعودية باتجاه انجاز مشروع من هذا النوع، وهي الأجدر بذلك، كما أنها الأقدر على أداء هذه الأمانة التي وضعها الباري عز وجل بين يدي أهل الخير من خلقه، لا سيما وأنها تحظى بقيادة مشهود لها في تأصيل العمل الخيري والإنساني على مدى تاريخها المديد.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68880
