لا يطيق لساني الحديث عنه بلغة الماضي، لأني كالكثيرين الذين عوّدهم "الحجاجي" إلحاحه في الحضور، ليس فقط بجسده المفعم بالحيوية والحركة الدؤوب، بل بروحه التي تنهر هذا الجسد إن رغب في أخذ حقه من الراحة والسكينة، وكأن هذه الروح التي تستمد صلابة وشموخ جبال "توبقال" تقول لنا "إنها معركتنا ضد الفقر والجوع, ولا راحة لمن تجند في قضاء حوائج الناس".
اختار الحجاجي أن يزرع أشجاراً مثمرة في أرض المحرومين، وترك لهم الحصاد، وسار على خطى الفرسان الذين يحلمون دوماً بأن تسود العدالة بين البشر، فلا عوز ولا جوع في أرض الله المترعة بالخيرات، فالقناعات والمسلّمات لا تترك مجالاً للحيرة والتردد أمام حكمة النظرية ومنهجية التطبيق، فالرب عادل ورحيم..وهذا بحد ذاته يكفي.
لطمأنينته التي رافقته حتى آخر لحظات حياته فلسفة خاصة، فعلاوة على الإيمان الكبير بالخالق وبشريعته، وقضائه وقدره، ثمة إيمان عميق بأن رحلة العمر تكللت بنجاحات نسبية، مقرونة أيضاً بالرضا النسبي، بعد أن أعلت للخير راياته، وكرست مفاهيمه، مع انسجام روحي ونفسي يلازم أولى أبجدياته بأن "خير الناس أنفعهم للناس".
كانت شخصية رجل الخير التي تسكنه ذا طابع فريد، فقد تعامل مع ميادين العمل الخيري كميادين المعارك، التي لا يقبل محاربوها بأقل من النصر، لا سيما وأنه قد شحذ كافة أسلحته، وتحلى بأخلاق المحارب العنيد، الذي اختار أن ينصر المظلوم والمحروم، بطريقة تكاد تصل حد التماهي مع الشخصيات الأسطورية التي تفني نفسها من أجل اللحظة التي ترى فيها الحق يعود لصاحبه.
القانون كان أكثر أسلحته مضاءً، حيث كان يؤمن بأن الشفافية والنزاهة، والعمل في إطار القانون هما "رأسمال" العاملين في مجال العمل الخيري، وأي مجال آخر يبتغي فيه الإنسان وجه الله، ما أعطاه المنعة والقوة في مواجهة المتربصين به وبمؤسسته الخيرية، ممن يكيدون ليل نهار لأية مؤسسة أو شخصية تمد يدها لتمسح دمعة يتيم فلسطيني أو تطعم أسرة فلسطينية تعاني الفاقة، أو تقدم العون لأي معاق أو مريض فلسطيني حرمه الاحتلال من أبسط حقوقه الإنسانية في العلاج.
لم ييأس الحجاجي لحظةً من خوض المعركة القانونية تلو الأخرى أمام جماعات و"لوبيات" مؤيدة للحركة الصهيونية، بأذرعها الإعلامية التي سعت لإثارة الشبهات، والتشكيك بطبيعة عمل المؤسسة، والتحريض عليها، ما أثار مخاوف مؤسسات مصرفية أحجمت عن التعامل مع الحجاجي ومؤسسته.
كان حريصاً عند تدشينه لمؤسسته الخيرية أن تحمل في مضامين وأهداف عملها دعم أبناء الشعب الشقيق الذي يعاني الاحتلال وتبعاته من الإبادة والتشريد والتجويع والحصار، ومحاولات محو الهوية، وقد تعمّد أن تحمل مؤسسته واحدة من أهم رمزيات النضال والهوية الفلسطينية والإسلامية، وليصبح فيما بعد اسم "الأقصى" بمثابة الهوية للمؤسسة الخيرية الناشئة، كما أنها الهوية التي تمثل وعي الحجاجي وتكوينه الوجداني.
ففلسطين وشعبها وقدسها وأقصاها، كلها حاضرة في ذهن ووجدان ابن المغرب الذي نشأ وأبناء جيله على مرارة الهزائم المتسلسلة التي أودت بالحق الفلسطيني، وخلقت معاناةً تاريخية لأبناء القضية تكبر مع مر السنين وتتخذ في كل مرحلة من مراحل الصراع مع المحتل أشكالاً وتعقيدات أشد ضراوة، ما جعله يقطع عهداً على نفسه بالانخراط في "جبهة" النضال الإنساني، والتي لا تقل أهمية عن جبهات النضال السياسي، فالمناضل الإنساني هو من يهيئ بيئة الصمود، وهو السند لصاحب الحق المرابط والصامد أمام رياح الاقتلاع والاجتثاث.
وعي الحجاجي المبكر قاده لاختزال الجغرافيا من أجل خدمة نضاله في سبيل الإنسانية، فأطلق "مؤسسة الأقصى الخيرية" في بلجيكا، كما أسهم في تأسيس عدد آخر من المؤسسات الخيرية في القارة الأوروبية، إيماناً منه بأن هامش الحريات الواسع وسيادة القانون في الدول الأوروبية هو بيئة مثالية من الضروري استثمارها في توفير الدعم الإنساني للمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني، ولمن باتوا ضحايا فروق الحسابات والتوازنات السياسية في بلادنا العربية والإسلامية.
واتبع لغايات الحفاظ على العمل الخيري والإنساني في أوروبا، الداعم للأهل في فلسطين منهجية اتسمت باحترام المؤسسية والنزاهة، والتقيد بالقانون بكل حذافيره وفي شتى الأحوال والظروف، وتجنب الخلط بين العمل الخيري وأية أعمال أخرى، وتوخي الدقة والمتابعة الصارمة لغرض إنجاح مشاريع المؤسسة، كما حرص على المشورة القانونية في كافة أعماله، وآمن بأن إتباع توصية الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بالاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان، وتجنب أية مخالفة قانونية هو أساس النجاح والتقدم، ما زاد من ثقته بقانونية عمله وقوة موقفه في مواجهة الشائعات والمعيقات التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي و"لوبياته" ومؤسساته وأزلامه في كل مكان للحيلولة دون وصول الدعم الإنساني للأيتام والفقراء والأرامل والمرضى والمعاقين من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
حركته المكوكية داخل ميادين العمل الخيري، وتفقده لمشاريع مؤسسته بنفسه خطوة بخطوة، كانت إحدى ميزاته كمحترف للعمل الخيري، ليصبح فيما بعد صديقاً للفقراء وأصحاب الحاجة يعرفونه كأب وأخ يطل عليهم لتفقد احتياجاتهم، وقد انطبعت صورة الإنسان الرؤوم، صاحب الخلق الدمث، والابتسامة الدافئة في ذاكرة أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان والأردن، وفي أعين أيتام غزة التي زارها مرتين في العامين 2010 و 2013 كمتضامن إنساني، وقدم خلالها مساهمات إنسانية كبيرة، ودشن مشاريع خيرية تخدم الشرائح المختلفة للمحتاجين من أبناء القطاع.
واجه خلال مسيرته في العمل الخيري مصاعب تتمثل في صغر حجم المجتمع المسلم في بلجيكا، وبالتالي ضآلة التبرعات في كثير من الأوقات، ليحمل على عاتقه المشاركة في مؤتمرات وفعاليات، وإطلاق حملات تهدف لتوعية المجتمع البلجيكي بمعاناة الشعب الفلسطيني نتيجة الاحتلال، وضرورة تقديم الدعم الإنساني له، واستكمال هذه الأنشطة بالتنسيق والتشبيك بين المؤسسات الخيرية بما يخدم الشعب الفلسطيني، وبما توفر من الإمكانيات المادية.
شاهدت الكثير من النظرات المطمئنة تلمع في عيني الحجاجي لدى زيارتي له قبل وفاته بأيام قليلة، ربما مبعث هذه الطمأنينة ارتياحه لما أنجزه من أجل الأيتام والفقراء والمحتاجين، ولربما لأنه بات مقتنعاً أخيراً بأنه استودع الأمانة لأهلها، ووضع مستقبل الأيتام في أيدي أناس مخلصين يقومون على مؤسسات إنسانية عصرية قوية وصلبة، استطاعت أن ترسخ لها جذوراً في أوروبا، وتعتمد القانون نهجاً لها، وترتكز على أسس النزاهة والشفافية في عملها.
إلا أن المأساة الفلسطينية بما تحتويه من عناصر كالبشر والأرض والشجر والحجر، وما يجري في القدس، والأقصى الشريف الذي يستغيث، بحاجة للحجاجي، وكل حجاجي مخلص لأمته ولإنسانيته ولقيمه الأخلاقية.
كما نحتاج بدورنا في المقابل أن نبادل وفاء الحجاجي منقطع النظير لعدالة القضية الفلسطينية، وما قدمه لأيتامها وفقرائها ومحتاجيها، بوفاء يليق به ويخلد أثره الباقي، بقاء عمله الخيري الذي يشهد على عظيم انجازه إلى الأبد.
شدة حرصه على أداء الأمانة كانت تطغى على أدائه بشكل دائم، حيث كان يعبر عنها من خلال فكره ومسلكياته، فقد كان يردد بشكل مستمر مثلاً يستخلص منه العبرة في هذا الصدد، يقول أنه "قيل لفلان أننا نريد صندوق الأمانة التي لديك، فرد عليه أن الصندوق فارغ، فأجابه: نريد الصندوق كما هو ليعلم أن ما فيه سلم لما عهد به".
رحل محمد الحجاجي، محاطاً بعائلته الصغيرة، من الأهل والأقرباء، وعائلته الكبيرة من الأصدقاء والأحبة والزملاء، وممن عرفوه بخصاله الحميدة، وخلقه الرفيع، وبجانبه والدته الأم الصابرة المحتسبة، التي كانت تردد شكرها لفلسطين وشعبها، التي كان الحجاجي خادماً لقضيتها العادلة لعلها تكون شفيعة له عند الله.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68925
