الشيخ المؤيد..رجل الخير الشجاع الذي حارب الظلم بقوة الروح

الشيخ محمد المؤيد

رحل الشيخ المؤيد بصمت، على عكس ما أشغلنا به طيلة حياته من صخب المحارب الشجاع في ميدان تثبيت المفاهيم الإنسانية، والقناعات التي لا تقبل الشك حين تسير جنباً إلى جنب مع صفاء السريرة، ونقاء الضمير، والإيمان الذي يملأ القلب والروح بأن لا مهادنة مع الظلم، ولا خذلان أو استكانة أمام يد أخ أو شقيق أو محتاج، تمتد طالبةً للعون.
 
تعرفه أزقة صنعاء، وشوارعها، وأحياؤها الفقيرة، ويعرفه أطفالها المعوزين ويتذكرونه متكئاً على عصاه يمد يده إليهم واحداً واحداً، بينما هم مصطفون لتسلم المعونة الغذائية، فقد كان الشيخ بلباسه اليمني الشعبي التقليدي الأصيل يصر على أن يباشر مشاريعه الخيرية بنفسه، وأن يقدم المعونة بيده لمستحقيها، حيث الشعور بالرضا، وسعادة العطاء تبلغ في هذه اللحظة ذروتها.
 
بدوره، لم ينس الشيخ الجليل أحداً، فمشاريع الخير التي زرع بذرتها، أثمرت، لتقتطفها أيادي الفقراء من كافة شرائح المجتمع اليمني دون استثناء، ودون تمييز، فالمسجد هو بيتك، وبيتك في "الأصبحي" مسجد، ومركز الأيتام يدلنا على خطوات المؤيد الذي مر من هنا ومد يده البيضاء للفئة الأجدر بالمساعدة، فأصبح للأيتام داراً يأوون إليها، وللأسر الفقيرة مؤسسة يلجئون إليها، وللجوعى مخبزاً خيرياً يطعمهم.
 
لم ترضِ المشاريع الصغيرة هنا وهناك شغف الشيخ في دعم الفقراء الذي يصيبه بهاجس ضآلة الدعم، والمحدودية أحياناً، ليعمل بعدها على "مأسسة" العطاء، كي يبقى نهر الخير جارياً دون توقف، ولن يتحقق ذلك إلى بتأسيس صروح للخير، تقضي حوائج الناس، وتمسح عن محياهم بؤس الحياة، وتظل قريبة من قلوب الفقراء تسمع نبضاتها المنهكة، وتلبي النداء في حينه.
 
"جمعية الأقصى" واحدة من هذه الصروح، التي حملت فكراً خيرياً من نوع مختلف، بأبعاد وطنية وإسلامية وعروبية، يقوم على اقتسام رغيف الخبز بين المواطن اليمني وشقيقه الفلسطيني، فالظروف المعيشية لغالب اليمنيين قاسية، ولكن ذلك لا يمنع من أن يستجيب اليمني لاستغاثة أخيه الفلسطيني، فالمسألة تتجاوز بطناً جائعاً، أو بيتاً هدمه الاحتلال، أو ترميماً لمدرسة فحسب، إنما هي معركة الحفاظ على الأمة، ورسم معالم مستقبلها، فقناعات المؤيد راسخة بأن اندثار الفلسطيني هو ضياع واندثار لليمني، وكل عربي ومسلم.
 
ولقناعات الرجال الشجعان ثمن، وبالذات عندما يقفون وحدهم في وجه الريح، فإن الاستحقاق يكون باهظاً جداً، لم يتردد المؤيد في دفعه، فهو يدرك بأن عدو الخير، وعدو فلسطين والأمة، قد استحكم، وأتخم نفسه بكل وسائل القوة، والجبروت، واتخذ من قوى الشر في العالم أحلافاً، وتدرب على مدى عشرات السنين على مهارات حياكة المؤامرات، وصناعة الدسائس، والمراوغات، وتزييف الحقائق، واستغلال الظرف للانقضاض وتحقيق المكاسب على حساب أصحاب الحق، حتى بات لعدو الأمة طابعه الخاص في السياسة "السوداء" التي تميزه كعلامة فارقة.
 
لم يأبه إلى اعتبارات أن مبادئه، على سلميتها، ستقوده يوماً لأتون المعركة، لا سيما وأن عدو الإنسانية يحارب حتى النوايا الحسنة، ولم يكن يوماً ممولاً للإرهاب بحسب ادعاء من أودعوه السجن، بل كان مؤمناً بأن إرهاب الدولة الصهيونية هو الأكثر فظاعة، وبأن من يناصر الشعب المظلوم الذي يعاني تبعات الاحتلال، ويتخذ موقفاً في الدفاع عن هويته ومقدساته، عليه أن يمضي للأمام ولا يلتفت للوراء، فعدالة القضية الفلسطينية لها هالة من القداسة تحيط بمن يحمل عبء مسؤوليتها الأخلاقية، وتتوج بالعز والفخار كل شجاع يصرخ بـ"لا" للظلم، ولا للتخاذل عن نصرة الحق.
 
أنِف فكره التطرف، معتبراً أن الاعتدال والوسطية هو أساس كل فكر وعقيدة، ورأى بأن المغالين في مسلكياتهم وعقائدهم ممن باتوا أقرب "للخوارج" إن الإسلام منهم براء، بحسب تعبيره عن مقترفي جريمة 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، في تأكيد منه بشكل صريح بأن هذه "الأحداث الإجرامية تسيء للإسلام وسماحته ورحمته". 
 
مع ذلك، لم تشفع له أفكاره المبدئية الرافضة للتطرف أمام حملات التحريض والتشويه التي حاولت إلصاق تهم دعم التطرف والإرهاب بشخصه، فقاسى في سجنه بالولايات المتحدة ظلم السجان، وتعذيبه ومحاولات إذلاله، إلا أنه واجه المحنة بصبر وثبات ينم عن إرادته الصلبة، وروحه القوية التي واجهت المفترين حتى انتصرت، بعدما أبطلت افتراءاتهم وادعاءاتهم.
 
ابتسامته وبشاشته التي لا تفارق وجهه، ربما كانت كافية لتؤكد لجلاديه صفاء روحه، ودماثة خلقه، إلا أن الأفكار السوداء المسبقة التي تبنوها لمحاربة المؤيد وفكره الخيري، كانت تتجاوز براءته وبساطته حين كان يحمل بيده حلوى "بنت الصحن" اليمنية ليوزعها على ضيوفه للتعبير عن حفاوته بهم.
 
استحق المؤيد خلال مسيرته الخيرية لقب "أبو الفقراء"، فقد كان دائماً مشغول البال بأبناء شعبه الفقراء، حيث كان في الصفوف الأمامية مع من يخوضون حربهم ضد الفقر من زملائه في العمل الخيري والإنساني، بل كان مستعدا للمشاركة في كل عمل يخدم الإنسان أينما كان، حيث كان يستمع لأنين أبناء الأمة المعوزين في أفريقيا وأفغانستان والصومال، وغيرها، ليحشد مع رفاقه الطاقات الخيرة، معتبراً إياها إحدى ساحات الحرب على الفقر، الممتدة من أقصى بقاع الأمة لأقصاها.
 
ليس لي إلا أن أشهد لهذا العلم الخيري بالحكمة والكرم وعفة النفس، وقول الحق مهما غلا الثمن، عاش ملتزماً غيوراً على شعبه وأمته، وقضيتها المركزية، ومقدساتها، فقد كنت أحس حين أراه بأن الأقصى وباحاته تلمع في عينيه، ومعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال تشغل باله عند لقائي به في محافل عدة، وعند زيارتي له في منزله، الذي غمرني فيه بكرمه وطيب خلقه.