عائلة الشيخ طه.. الحياة على أطلال الأمل

لم تحاول أم أيمن أن تجلس على أطلال منزلها المنهار لتبكي على ما ضاع، صحيح أنها شاهدت حوائطه تنهار أمام عينيها، وصحيح أنها رأت ذكرياتها الجميلة تسقط تحت الركام، لكنها لم تستسلم لكل هذا اليأس، وقررت أن تتقدم للمجمع الإسلامي بغزة بطلب لإعادة بناء منزلها الذي هدمته سلطات الاحتلال.
وبالفعل وخلال شهور أنهى المجمع الإسلامي بغزة أعمال البناء والإعمار لمنزل
الشيخ محمد طه الذي قامت قوات الاحتلال الصهيوني بهدمه خلال اجتياحها عام 2003
لمنطقة البريج بغزة.
عائلة أبو طه التي ذاقت مرارة التشرد للمرة الثانية بعد أن ذاقتها عام 1948
حينما شردتها قوات الاحتلال من ديارها وألقت بها في مخيمات اللجوء، وعادت في القرن
الحادي والعشرين لتدمر منزلها من جديد وتشردها من منزلها المتواضع -عرفت الآن معنى
الاستقرار.
وتعود أم أيمن طه بذاكرتها للوراء لتروي كيف كانت رحلة حياتهم بعد هدم البيت:
“هدم الاحتلال بيتنا المكون من طابقين بالكامل خرجنا ولم نتمكن من أن نأخذ معنا أي
شيء، وفي تلك الليلة، بتنا ليلتنا عند بعض الجيران، وفي الصباح ذهبنا للمكوث في شقة
للإيجار، صغيرة جدا وقديمة لا تصلح للعيش”.
تصف أم أيمن تلك اللحظات بأنها الأصعب في حياتها: “كنت في الشقة أنا وزوجة ابني
أيمن الذي تم أسره في الاجتياح حتى الآن، وكان أبناؤه الثلاثة معنا بالطبع إضافة
إلى ابنتي وولدي عبد الله”.
ولم يكن أمامهم كما قالت خيار إلا الصبر وتعترف أنه مرت لحظات تملكهم الضجر
والحزن والألم: “لم يكن البيت مريحا كنا تائهين وحيارى ولكن كان لا بد أن نصبر
ونحتسب أمرنا عند الله وكنا نعزي أنفسنا بأننا أفضل حالا من غيرنا فنحن تمكنا من
إيجاد مأوى ولكن غيرنا يفترش الأرض ويلتحف السماء”.
بعد عامين من المعاناة والتشرد وغياب راحة البال رجعت أم أيمن إلى بيتها وعن تلك
اللحظات تقول: “كنا في حيرة وتخبط وأصبحنا في راحة واستقرار لا يوجد أجمل من الرجوع
إلى بيتك والمكوث فيه ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لكل من
ساهم ببناء البيت”.
وغابت الحديقة؟

نسيبة ابنة الشيخ أبو أيمن طه قالت: “إن هذه الأيام الصعبة مرت ببطء شديد وألم
كبير، بعد أن كنا في بيت واسع وجميل انتقلنا إلى بيت لا تتجاوز مساحته 90 مترا وهو
قديم جدا جدرانه متآكلة لقد عانينا أشد المعاناة في الصيف لا يوجد ماء والكهرباء
تنقطع باستمرار ولما كان اليأس يشتد بنا كنا نبكي لضيق الحال وعسر المكان”.
وتضيف: “المكان في الشتاء أكثر عذابا من الصيف فالبرودة الشديدة تملأ المكان،
عامان لم يهدأ لنا بال أو يستقر بنا حال، كان البيت جحيما لا يطاق، أذكر لم يكن
يتسع لمناسبات الفرح أو الحزن التي مرت علينا”.
وكمن استيقظ من كابوس تتنهد نسيبة ثم تقول: “بفضل الله ثم بفضل القلوب الرحيمة
رجعنا إلى بيتنا بعد طول انتظار ومعاناة”.
ورغم سعادتها ببيتها فإنها أبدت حزنها الشديد على حديقة منزلهم: “كانت رائعة
وكبيرة يوجد بها شجر التين والرمان وأنواع أخرى عديدة يكفي ما كان بها من ورود،
وأزهار مختلفة عمرها تجاوز عشرة أعوام… كم أشعر بحسرة وأنا أتخيل حديقتنا”.
وكانت قوات الاحتلال قد أبادت الحديقة ووأدت أزهارها وأشجارها، وتقول نسيبة إنه
بعد البناء الجديد للبيت لم يعد هناك مساحة كبيرة كما كانت من قبل تكفي لتجهيز
الحديقة، وتستدرك: “رغم هذا أنا سعيدة باستقرارنا في بيتنا من جديد بعد أن انتهت
رحلة العذاب”.