الأرانب.. سلاح الفلسطينيات في مواجهة الفقر

كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحا في يوم مشمس من أيام غزة عندما انطلقت بنا السيارة إلى مدينة رفح، وما إن وطأت أقدامنا هناك أخذنا نسير بين الأزقة نقرأ عيون الناس علنا نتمكن من إيجاد الكلمات الحية التي تعبر عن سواعد تكد وتتعب من أجل لقمة عيش كريمة، واقتربنا من السوق المحلية الخاصة ببيع الطيور والحيوانات، وأخذنا نستفسر عن بعضها إلى أن وقفنا بجوار مجموعة من النسوة اللائي كن يتحدثن عن الأرانب التي تم شراؤها من تعاونية الأرانب الخاصة بناد نسوي في منطقة الشوكة برفح، والتابع لجمعية تنمية المرأة الريفية وما يميزها عما يتم تسويقه من قبل البائعين في السوق.
الكثير من الأسئلة تزاحمت حول تلك التعاونية، لماذا اختصت بتربية الأرانب عن سواها، ومدى النجاح الذي حققته، وهل هناك إقبال متميز على شراء الأرانب؟ وتمكنا بعد بحث واستقصاء من الوصول إلى النادي لنستقبل بحفاوة من قبل النسوة القائمات على النادي والتعاونية.
مبادرات نسائية
عفاف أبو غالي، مديرة جمعية تنمية الريف برفح، قالت: نؤمن في جمعية تنمية المرأة الريفية بأن للسيدات الريفيات دورا مهما في عملية التنمية البشرية والاقتصادية، ولديهن القدرة على القيام بهذا الدور، وأنهن بحاجة لكيان يجمعهن ويطور مبادراتهن الاقتصادية والاجتماعية؛ لذا حددت الجمعية رسالتها بأن ترعى المبادرات النسائية في الريف وتطور منها مشروعات ليتم تمويلها، وتدريب الكوادر النسائية لقيادة تلك المشروعات؛ كي تكون السيدات صاحبات قرار اجتماعي واقتصادي يدعم في التنمية المجتمعية بعيدا عن تسلط القرار الفردي من قبل الرجل.
وأشارت إلى أن المنتسبات لنادي نسوي الشوكة التابع للجمعية طرحن فكرة العمل الجماعي في إدارة مزرعة نموذجية لتربية الأرانب يتناغم فيها تنمية الكادر البشري في نمط التفكير من الأنا إلى نحن، حيث تم بناء فريق عمل ساهم معه خبير محلي في دراسة جدوى مشروع تربية الأرانب، أشارت مؤشراتها الاقتصادية إلى النجاح والاستمرارية وقابلية المشروع للنمو، واستيعاب عدد أكبر من النساء في المستقبل.
وأضافت: تطورت فكرة المشروع كنتيجة وثمرة للعمل مع النوادي النسوية، وتمكين النساء بهدف استثمار طاقاتهن من الخبرات المتراكمة التي يتم تطويرها إداريا وفنيا وبشكل دائم من قبل جمعية تنمية المرأة الريفية. وساهمت النساء في جميع مراحل المشروع من التخطيط والإشراف والمتابعة والتقييم مستعينات بالخبرات المحلية.
فرص عمل
وقالت: لقد ساهم المشروع الذي تبلغ قيمته التأسيسية 7 آلاف دولار في خلق فرص عمل لعدد من النساء المعيلات ومهندس زراعي خريج، بالإضافة إلى أن المشروع يوفر سيولة مالية لسد المصاريف التشغيلية للمزرعة.

ويساهم النادي النسوي الذي يضم بعضويته 200 عضوة، في حماية البيئة والحفاظ على الصحة من خلال توفير الغذاء الصحي الخالي من الكولسترول وخاصة للمناطق الحضرية المحاذية للمشروع، كما أسهمت برامج وخطط النادي في تغيير في نمط التفكير والسلوك لدى عضوات النادي وللعاملات في المشروع؛ وهو ما زاد من مشاركتهن في الحياة العامة والدفاع عن قضاياهن في داخل القرية.
وربما يجدر الذكر أن الشوكة التي يبلغ عدد سكانها 13000 نسمة وتشغل مساحة تقدر بـ 20000 دونم من القرى التي تعاني فيها المرأة من قلة الأنشطة العامة التي يمكن لها أن تشارك فيها، حيث تعتبر جمعية تنمية المرأة الريفية هي الجمعية الأولى التي تعمل معهن منذ 3 أعوام.
فجوة غذائية
وعن السبب وراء إنشاء تعاونية أرانب تحديدا أشارت عفاف أبو غالي إلى أنه عند النظر إلى الأهمية الاقتصادية للإنتاج الحيواني فإننا نلمس بأيدينا مدى الفجوة الغذائية التي تحاصرنا كشعب عربي عامة وشعب فلسطيني خاصة، وبالنظر لهذه المعطيات الاقتصادية نلاحظ أننا لا ننتج إلا القليل جدا من غذائنا وهذا ما يؤثر على الدور السياسي لنا، لأجل ذلك فلا بد أن نزرع لكي نأكل، ونأكل مما ننتج ونربي، فلأجل ذلك يجب أن تحدث خطة شاملة وتطوير جذري في الزراعة عامة والإنتاج الحيواني بشكل خاص، ويجب أن يتم تطوير قطاع تربية الأبقار، وتربية الأغنام، وتربية الدواجن، وتربية النحل، وغيرها.
وأكدت على أنه مشروع إنتاجي يهدف إلى توفير الأمن الغذائي والتقليل من حدة الفقر من خلال تدريب وتأهيل مجموعة من النساء على تربية الأرانب كمشروع صغير مدر للدخل، بالإضافة إلى تشغيل عدد من المعيلات من عضوات النادي النسوي ومهندس، وتوفير مصدر دخل للنادي النسوي لضمان استمراري.
وأشارت إلى أن المشروع عبارة عن تربية وتسمين أرانب من خلال شراء 110 أرانب منتجة؛ حيث تم شراء الأرانب حوامل، وتمكنا من الحصول على إنتاج شهري بمعدل 560 أرنبا شهريا، وهو مشروع مجد اقتصاديا من حيث الإنتاج وتزايد الطلب المحلي على لحم الأرانب، مشيرة إلى إمكانية تطوير واستمرارية المزرعة ذاتيا وبشكل سريع نسبيا حيث يمكن تدوير رأس المال للمشروع خلال (1-2) عام والمشروع متكامل بيئيا؛ إذ يمكن استغلال روث الأرانب في تسميد التربة وإخصابها واستغلال المخلفات الزراعية بعد التجفيف في تغذية الأرانب كعلف.
مؤشرات إيجابية
وحول المؤشرات الإيجابية للمشروع قالت أبو غالي: المساعدة في تحقيق الأمن الغذائي من خلال توفير البروتين الحيواني الصحي الخالي من الكولسترول والدهون، ودعم النادي النسوي للدور الإنتاجي للمرأة من خلال خلق فرص عمل لعدد من العاملات في المشروع من عضوات النادي، وإكساب الهيئة الإدارية للنادي النسوي مهارات في إدارة المشاريع وقدرة على التفاوض والتسويق، مشيرة إلى أن المشروع أثبت أنه رغم محدودية العمل المتاحة للنساء الريفيات وقلة فرص التمويل المتاحة للنوادي النسوية يمكن البدء بمشاريع تنموية صغيرة مدرة للدخل تساهم في توفير الأمن الغذائي للعاملات فيه، وتساعد على استمرارية النادي واعتماده على ذاته وتطوير إمكانيات النساء الريفيات وقدرتهن وإمكانية النجاح قوية. كما أن إمكانية تطوير وتوسيع المشروع سريعة وسهلة (من خلال الإحلال للأمهات والبيع للمواليد)، إضافة إلى أن العائد الربحي من المشروع عال مقارنة بالتكلفة ودورة رأس المال سنوية، وزيادة الطلب على لحوم الأرانب في السوق المحلية، وسهولة الحصول على الأعلاف بأسعار رخيصة من خلال المخلفات الزراعية. كما أن روث الأرانب يساهم في توفير السماد للأرض بدلا من الإفراط في استخدام الأسمدة الكيماوية، ووجود عائد اقتصادي للنادي النسوي من خلال تشغيل المزرعة إنتاج ألف كيلوجرام لحم صحي شهريا على الأقل وتحقيق الاكتفاء الذاتي من البروتين الحيواني.
وحول تعاونية الأرانب قالت عفاف أبو غالي: إن الأرانب من أفضل الحيوانات الداجنة التي يمكن أن تربى في المنزل وتعتبر ذات إنتاجية عالية قد تصل إلى (15) أضعاف وزنها في السنة الواحدة وكفاءتها التحويلية عالية من 3.5-4 كجم علف/ 1 كجم وزن حي؛ وهو ما يجعلها مناسبة في منطقتنا، مشيرة إلى وجود العديد من السلالات التي تتأقلم محليا، وقد أظهرت إنتاجية عالية وتربيتها في المنزل بعدد مناسب تكفي الأسرة من اللحوم والبروتين الحيواني.

وأشارت إلى أنها من أكثر الحيوانات الداجنة ملائمة لظروفنا الفلسطينية نظرا للتقلبات السياسية؛ فهي لا تحتاج إلى مساحات واسعة، ويمكن أن تربى داخل المنزل؛ وهو ما يوفر الأمن الغذائي للأسرة خاصة في الظروف الصعبة، إضافة إلى إمكانية البدء بمشروع مدر للدخل بأقل التكاليف وذي عائد اقتصادي متميز وسريع التطور.
مميزات الأرانب
وحول مميزات لحم الأرانب قالت: يتميز بأن ألياف لحمه ناعمة وسهلة الهضم، وتعتبر نسبة البروتين في لحم الأرنب بالذات مرتفعة عنه في باقي اللحوم، ولحمه أبيض ونسبة العظم فيه قليلة لا تتجاوز 7-8% من وزن الأرنب، كما أنه منخفض جدا في نسبة الكولسترول، لذا ينصح به لذوي الحمية الصحية وذوي الحمية الغذائية، كما أن نسبة التصافي في الأرانب مرتفعة قد تصل إلى 60%، بينما جلد الأرانب يستخدم في العديد من الصناعات الجلدية وذلك لتميزه بفراء ناعم، إضافة إلى سعره المرتفع الذي قد يفوق سعر اللحم المنتج من الأرنب، وتستخدم الأرانب بشكل متميز وواضح في عمل الأبحاث والدراسات العلمية والسبب في ذلك هي سرعة التكاثر الذي يتكرر كل 30-40 يوما تقريبا وبأعداد كبيرة.
ونوهت بأن الأرانب لا تشترك مع الإنسان في أي مرض، كما أن الأرنب المنزلي ينتج أضعاف وزنه في السنة، وهى هادئة ولا تحدث إزعاجا، مؤكدة على أن تربية الأرانب على طريقة سليمة لا ينتج عنها أي روائح مزعجة، منوهة بأن المقولة الصحيحة والتي تؤكد على أن وجود أرنبتين وذكر في المنزل يوفر اللحم اللازم (البروتين الحيواني) لأسرة مكونة من 4 أفراد؛ فهي تنتج حوالي من 50-100 كجم خلال العام.
الحظيرة المنزلية
وعن الشروط الواجب توافرها في الحظيرة المنزلية قالت: أن تكون جيدة التهوية، بها مصدر دائم للأشعة الشمسية، وأن تكون المزرعة خالية من الحشرات ولا تصل إليها الحيوانات الضالة، ومقاومة الذباب والتخلص من القمامة باستمرار، وغسيل الأواني بالماء والصابون، والتطهير من وقت لآخر، وتخصيص أماكن محددة لكل نوع من الطيور المنزلية، وأن تتناسب مساحة الحظيرة مع تعدد الطيور المرباة بها، وأن تكون بعيدة عن المنزل بقدر مناسب، على أن تكون الحظيرة في نهاية اتجاه الريح حتى لا تصل روائح الحظيرة إلى المنزل، وإعطاء العلاجات الوقائية في أوقاتها مثل الجرب عند الأرانب.
وللتقليل من الإصابة بالأمراض لدى الأرانب قالت فاطمة الهسي عضوة إدارة النادي والتي تقوم بمتابعة المشروع إداريا: مراعاة النظافة العامة للمكان والأقفاص والولادات، وتوفير التهوية بشكل مناسب بعيدا عن حدوث تيارات هواء، وتخصيص مكان للأرانب المريضة بمرض معد، وتقديم الغذاء النقي الخالي من الطفيليات والمواد الضارة و يجب أن يكون الماء نظيفا، ومن الضروري البحث عن سلالات مقاومة للأمراض إن وجدت، والكشف الدوري للمربي عن أي حالات مرضية، وعمل حجر لمدة لا تقل عن أسبوع عند ورود أرانب جديدة للمزرعة.
تجربة ناجحة
وفي تجربة تم العمل عليها قال المهندس جمال النواجحة والذي قام بالإشراف الفني على عمل المزرعة خلال فترة تأسيسها: “حققنا استفادة من جلد الأرانب حيث تم العمل على دباغته ليتم عرض الفرو ومن ثم تطور إلى استخدم وجه الجلد من خلال الكتابة عليه؛ وهو ما أعطى منظرا رائع الجمال، وللحصول على فرو جيد فقد احتجنا إجراء بعض عمليات التهجين للحصول على فرو طويل وألوان مختلفة وحسب الطلب، ونأمل في المستقبل القريب الوصول إلى سوق مناسبة لهذه السلعة وأن يكون لنا سوق خارجية مع ملاحظة أن سعره مرتفع أوربيا”.
كما أن فرو الأرانب قد يستخدم في تصميم الأزياء كقطع نثرية على الملابس وخاصة النسائية، يدخل ضمن ديكور المنزل لتنوع ألوانه بما يتلائم مع الألوان المطلوبة لديكور المنزل.
حظيرة داخل المنزل
كفاية بربخ إحدى العاملات في المزرعة وتعيل 7 أفراد قالت: لقد ساهم عملي داخل المزرعة في توفير المتطلبات الأساسية لأسرتي من مأكل ومشرب بدلا من سؤال الحاجة، كما أنني أعمل على تربية مجموعة من الأرانب داخل حظيرة صغيرة في منزلي وأقوم بعملية التسويق بنفسي.
وأضافت: لقد ساهم عملي في إكسابي الخبرة الكافية والتي تؤهلني يوما ما لإنشاء مزرعة كبيرة أعمل على إدارتها بنجاح.
وأكدت المهندسة عفاف أبو غالي في نهاية تلك الجولة إلى أهمية وجود المشروع الإنتاجي التعاوني حيث يعتبر مشروع تمكين جماعي لكل من إدارة النادي النسوي والعضوات العاملات في المزرعة، وقد تم العمل على تقديم المشروع كإحدى المبادرات المرشحة لتقرير التنمية البشرية المستدامة من خلال برنامج دراسات التنمية في جامعة بيرزيت، آملة في أن تؤخذ هذه المبادرة بعين الاعتبار.