دكان الإنتاج المنزلي.. حلم تحقق لنساء سلفيت

تثبت المرأة الفلسطينية دائما أنها قادرة على تحدي كافة ما يعترض طريقها من عقبات من شأنها أن تثقل كاهلها وتلقي بها في واحة اليأس والألم، فتخرج بمشاريع اقتصادية صغيرة وتحاول جاهدة أن تؤمن حياة كريمة لها ولأسرتها المعدمة، وبرغم الإمكانيات المحدودة والخبرات المتواضعة فإنها تميزت وباتت تجد مساحة مهمة لها على خارطة التحدي والصمود الفلسطيني.
“دكان الإنتاج المنزلي والزراعي” الذي قام عليه النادي النسائي بمدينة سلفيت
واحد من المشاريع النسائية المتميزة التي تهدف إلى إيجاد فرص عمل لقطاعات كبيرة من
النساء من داخل بيوتهن؛ أملا في توفير لقمة العيش الكريمة لأطفالهن بعدما تم طرد
أزواجهن من العمل داخل الخط الأخضر وتدهورت بهن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية
فأصبحن يعشن تحت خط الفقر.
“إنسان أون لاين.نت” تقف عند مشروع مدينة سلفيت وتعرض لآلياته وأهدافه وأحلام
القائمات عليه.. في البداية تؤكد نعيمة أزبيدية مديرة النادي النسائي في سلفيت أن
النادي وضع على سلم أولوياته إيجاد فرص عمل للسيدات الفلسطينيات اللاتي وقعن تحت خط
الفقر من داخل بيوتهن، حيث يتم الاستفادة مما تنتجه أراضيهن من خيرات زراعية
ومحاصيل موسمية كالزيتون وغيره وأعمال يدوية تراثية وعادية، وقد بدأ المشروع رسميا
قبل شهرين بتدريب النساء على صنع المنتجات الغذائية المنزلية بمواصفات عالية الجودة
حتى يتمكنّ من تسويقها في السوق المحلية والعيش من دخلها.
وتضيف مديرة النادي أن الإنتاج المنزلي للنساء لاقى إقبالا شديدا من الجمهور
الفلسطيني بسبب خلو المنتجات الزراعية والمنزلية من المواد الكيماوية المسببة
للأمراض، ناهيك عن جودة وإتقان تصنيع المواد الغذائية من السيدات العاملات، وبهذا
استطاع الدكان المنزلي توفير فرص عمل للكثير من السيدات الفلسطينيات العاطلات عن
العمل واللاتي واجهن ظروفا اقتصادية قاسية استحال معها إمكانية توفير لقمة عيش
كريمة لأسرتهن.
وتؤكد أزبيدية أن الدكان لا يتوانى عن تقديم الخدمات للزبائن عبر توصيلها
للمنازل طمعا في توسيع حجم البيع الذي يعود بالفائدة على الأسرة المنفذة للمشروع،
كما لا يتوانى النادي عن تنظيم الدورات المناسبة سواء على المستوى الزراعي لتدعيم
الخبرات والوصول بالإنتاج المنزلي إلى أعلى مقاييس الجودة، أو على المستوى
الاجتماعي والنفسي من خلال عقد الدورات التدريبية التي تعزز ثقة المرأة الفلسطينية
بذاتها وأهميتها في المجتمع، فعلى الصعيد الزراعي -حسب أزبيدية- فإن النادي يعقد 3
لقاءات أسبوعيا يتم خلالها تعليم السيدات على طرق الزراعة المنزلية بالإضافة إلى
تركيب الفستق الحلبي والعنب وتقليم الأشجار المنزلية وكذلك زراعة الفطر.
من ناحية أخرى تشير نعيمة أزبيدية مديرة النادي إلى أنه عمد إلى تشجيع المنتجات
المنزلية التي تصنعها المرأة الفلسطينية وتفيض عن احتياجاتها من خلال مشاركتها في
المعارض المحلية التي تقام بمختلف محافظات الوطن الفلسطيني بالضفة الغربية؛ الأمر
الذي انعكس على جودة الإنتاج من أجل المشاركة، وقالت: “كنا نعمد إلى المشاركة
بمنتجات الصابون التي تصنعه المرأة الفلسطينية من زيت الزيتون والماء والصودا
الكاوية، بالإضافة إلى المشاركة بالمخللات الفلسطينية التي تصنعها المرأة وتخزنها
في ظل منع قوات الاحتلال تصدير الزيت والزيتون خارج الأراضي الفلسطينية لضرب
الاقتصاد الفلسطيني”، مشيرة إلى أن المشاركات في المعارض المحلية أسهمت كثيرا في
بلورة فكرة الدكان المنزلي لإيجاد مصدر رزق للأسر المنتجة للمواد الغذائية.
نوعية المنتجات
الأرض الفلسطينية زاخرة بالخيرات والمحاصيل الزراعية التي يمكن استغلالها
للتصنيع منزليا، ابتداء من الزيتون والبقوليات، وهنا تشير أزبيدية إلى أنواع
الإنتاج المختلفة فتقول: “ننتج أصنافا مختلفة من المخللات أحدها بالزيت وآخر
بالماء، إضافة إلى السلطات وأنواع المقبلات المختلفة وكذلك تعليب الخضراوات
وتخزينها للاستفادة منها في غير موسمها كالبامية وورق العنب وكذلك البازيلاء
والفاصوليا وغيرها”.

وأوضحت أن الإنتاج لا يقتصر فقط على المأكولات وإنما يتعداه لأي عمل تستطيع
المرأة الفلسطينية أن تنجزه من داخل بيتها كالتطريز اليدوي والمشغولات اليدوية
كسلال القش والخيزران التي تعمد إلى صنعها النساء التي تهوى هذا الفن، بالإضافة إلى
الدواجن والأرانب التي تنتجها مزارع النساء، مشيرة إلى أن الطلب على السلع يكون
وفقا لاحتياجات الأسر الأساسية، لافتة إلى أن عملية البيع في ظل تدهور الوضع
الاقتصادي بشكل عام باتت ضئيلة إلى حد ما.
واستطاعت السيدات المشاركات في المعرض الدائم أن يحققن مبدأ الاكتفاء الذاتي
لأسرهن من خلال تسويق المنتجات التي تم تصنيعها من المحاصيل الزراعية التي جادت بها
مساحات بسيطة من أراض أمام منازلهن المتواضعة، وتؤكد أزبيدية أن بعض السيدات استطعن
أن يوفرن دخلا ميسورا لأفراد أسرتهن من خلال تسويق منتجاتهن في المعرض الدائم.
وأضافت أن “النادي النسائي يعمد إلى استقطاع فقط 20% من حجم المبيعات لتوفير أجر
المقر والموظفة التي تشرف على عملية البيع والتسويق”، مشيرة إلى أن منتجات نساء
النادي تغطي احتياجات الأسر والمؤسسات الفلسطينية على حد سواء في مجالات متنوعة،
لافتة إلى أن بعضا من المؤسسات تطلب تحضير وجبات سريعة ومقبلات لتغطية وجبة غذاء
لورشة عمل أو فعالية معينة أو وفد خارجي، بالإضافة أن كثيرا من السيدات العاملات
يلجئن إلى النادي لطلب وجبات معينة كأصناف المعجنات والحلويات التي تقوم بصناعتها
السيدات المشاركات.
تجارب شخصية
أم تيسير سيدة فلسطينية في الثامنة والأربعين من عمرها، هي واحدة من مجموع
المشاركات في النادي النسائي، بدأت رحلتها مع الدكان المنزلي منذ شهرين بتصنيع
أصناف المعجنات ذات الأشكال المختلفة والأنواع المتفاوتة والمذاق اللذيذ على حد
تعبيرها، تقول أم تيسير: “أصنع المعجنات بالجبنة وأخرى بالسبانخ واللحم المفروم
وثالثة بالزعتر، بالإضافة إلى البيتزا بأنواعها”. وتضيف أنها استطاعت من خلال عملها
ضمن مشرع الدكان المنزلي أن توفي بالتزاماتها أمام أولادها الذين يدرسون في
الجامعة، بالإضافة إلى مساعدة زوجها في مصاريف البيت؛ لأنه كان عاملا في الأراضي
المحتلة وسرح من عمله.
أما أم فراس وهي أم لعشرة أبناء فتزيد ظروفها المادية سوءا، وهذا ما جعلها تلجأ
إلى النادي للعمل ضمن مشروع الدكان المنزلي، تقول أم فراس: إن احتياجات أولادها
الكثيرة دعتها إلى اللحاق بركب العمل خاصة بعد أن سرحت قوات الاحتلال الإسرائيلي
زوجها من عمله داخل الخط الأخضر، وتوضح أنه بعد زيادة متطلبات ابنتها المريضة ومن
ثم وفاتها قبل 40 يوما أرادت الخروج والانشغال بشيء يعوضها آلام فقدها ويساعدها في
التغلب على الظروف الاقتصادية السيئة فاستقبلها النادي بصدر رحب.
وتستطرد أم فراس حكايتها مع الدكان فتقول: “في البداية خضعت لدورات تدريبية
وأتممتها بنجاح والآن أعمل في مجال القش، أقوم بتصنيع صوان من القش وأقوم بزخرفتها
وتنسيقها بشكل لائق لترضي الأذواق المختلفة”، مشيرة إلى أن فتياتها يساعدنها في
عملية الإنتاج لتوفير احتياجاتهم الأساسية، واختتمت قولها: “أجمل شيء أن تصنع من
الألم فخرا ومن اللاشيء شيئا مفيدا يعود عليك بالفائدة والدخل المناسب”.
جهود مشتركة
لم يكن بإمكان السيدات وحدهن أن يتابعن توسيع مشروع الدكان المنزلي الزراعي؛
لأنه يحتاج إلى إمكانيات أخرى تتعدى مسألة الإنتاج في حد ذاتها وهي التسويق، وهذا
ما توضحه لنا مديرة النادي التي أكدت أن التعاون مع عدد من الجهات المسئولة ساعدهم
على الخروج بالدكان إلى النور؛ حيث إن متطلبات إقامة معرض دائم للمنتجات التي
تصنعها السيدات الفلسطينيات المشاركات في المشروع كانت كثيرة جدا وليس باستطاعة
المشاركات إيجادها؛ لأن أثمانها باهظة كثلاجة العرض والفريزر اللازم لتخزين
المنتجات بالإضافة إلى حاجتهن إلى مقر. وأشارت إلى أن عددا من المؤسسات قامت بدعم
المشروع من زوايا مختلفة، لافتة إلى أن مركز التنمية الفلسطيني استطاع أن يوفر
ثلاجات العرض والفريزر، في حين ساهمت البلدية بتوفير نصف إيجار المقر الدائم
للمعرض.