الحديقة المنزلية فن نسائي للهروب من الظروف الصعبة

تستنشق روائح الورود والياسمين فور دخول المكان، وأشجار مختلفة الأصناف والثمار مزهرة تبعث روائحها في أرجاء المكان، وتسمع زقزقة العصافير الملونة وهي تتنقل بين الأشجار التي تتوسطها بناية لمنزل صغير، تقدر قيمته بما حوله من جمال الطبيعة؛ ليدرك الناظر أنه في جنة الأحلام.
وبين الطبيعة الخلابة والظروف الصعبة القاسية التي تعانيها المرأة الفلسطينية وقفت لتوازي الأمور وتستغل ما بين يديها من إمكانيات لتتغلب على الواقع الذي تعيشه لمحاربة الفقر والخروج من أزمتها. فلم تقف مكتوفة الأيدي تنتظر الصدقات وبدأت التفكير في استغلال ما لديها من قدرات وإمكانيات وكانت إحدى الإمكانيات المتوفرة لدى العديد من النساء بالذات في المناطق الزراعية الحيازات الصغيرة حول المنازل، وبدأن تحويلها إلى حدائق منزلية لتحقيق الأمن الغذائي للأسرة والاكتفاء الذاتي بما يزرعنه من خضراوات وفواكه داخل حديقتها المنزلية، وتوفير احتياجاتهن من بيض ولحوم وطيور.
وفي إحدى القرى الفلسطينية بقطاع غزة في منطقة عبسان التقينا بإحدى هؤلاء النساء…
حب الطبيعة
تقول أم رامي أبو دقة: قدمت من المدينة لأتزوج أحد أقربائي وشدتني القرية بجمالها وطبيعتها، وبهرني كل ما شاهدت، لذا أحببت كل ما بها، فكنت أجري وراء كتكوت صغير لأتلمسه بيدي وتجذبني سيقان الشجر وثمارها وأتأملها بعيني وأتابع العصافير وهي تتنقل بين الأشجار، وأسعد بمشاركة النساء عند إعداد الخبز داخل فرن متواضع مصنوع من الطين، وفي المزارع حين يجنين المحصول أشاهد وأسأل كيف يصنع وأنتقي منهن الأمهر لأتعلم وأحاول حتى أتقن، وتمنيت أن أتعلم ما يصنعن لأحصد كما يحصدن.
وبدأت أم رامي مشوارها داخل حديقة منزلها والتي تبلغ مساحتها دونمين يتوسطها مبنى لمنزل صغير على مساحة 160م2، وما تركته من مساحة حول المنزل رسمت به جنتها التي كانت تحلم بها فلم تترك شبرا من الأرض لم تستغله بالزراعة وزرعت جميع أنواع الفواكه: تفاح، برتقال، كمثرى، جوافة، عنب، خوخ، مشمش، نخيل…
أما الخضراوات فهي نادرا ما تلجأ لشرائها من السوق، وجميع احتياجاتها توفرها من ثمرة جهدها وتفضل ما تزرعه فهي تدرك جيدا وعلى وعي كامل بأخطار استخدام الأدوية الكيماوية بالزراعة، وما تقوم عليه الزراعة في يومنا هذا من استخدام للمبيدات الكيماوية، وبذلك تبتعد عن العديد من الأصناف التي تشتريها من السوق وتزرع احتياجاتها في حديقتها وتضمن سلامة وصحة أسرتها. ولم تكتف بزراعة ما تحتاجه من الخضراوات والفواكه بل أضافت إلى جنتها زراعة الأعشاب الطبية وخصصت جزءا من حديقتها لزراعة الزعتر والمرمية وأزهار البابونج لتصبح حديقة متكاملة نموذجية.
وفرة الإنتاج
هذا كل ما تزرعه أم رامي في حديقتها، ولكن هل تستهلك كل إنتاجها؟
تقول: رغم صغر حديقتي لكن الحمد لله تعطيني إنتاجا يفوق احتياجاتي بكثير، فعلى سبيل المثال إنتاج النخيل هذا العام أضعاف استهلاك الأسرة وصنعت منه 70 كجم من العجوة، وكذلك العنب وغيره من أصناف الفواكه الأخرى حتى ورق العنب أقوم بتخزينه في زجاجات في موسمه، وبالتأكيد الفائض منه أبيعه وجزء من ثمنه يغطي مصاريف الزراعة والجزء الآخر يساهم في مصروف المنزل.

تجفيف المرمرية جزء من نشاط الحديقة
وكذلك الأعشاب الطبية تزيد عن استهلاكنا. أما الزعتر فأقوم بتصنيعه وإعداده لزوم الاستهلاك البيتي وأبيعه، وكذلك البابونج والمرمية، بالإضافة إلى نشاطات وصناعات أخرى كصناعة المخللات والمربات وتجفيف قطع الفاكهة التي أحتاجها في صناعة الحلوى والجاتوهات، وبذلك أوفر على نفسي شراء مثل هذه الاحتياجات.
وماذا عن تربية الطيور والحيوانات المنزلية؟
تجيب: في الجزء الأخير من الحديقة يوجد حظيرة لتربية الطيور والحيوانات المنزلية وتشمل جميع الطيور والحيوانات البيتية، فأنا بطبيعتي لا آكل اللحوم الحمراء وأكتفي بلحوم الطيور فقط لذا نربي الحمام والبط والدجاج والأرانب والأغنام وما نبيعه من إنتاج الحمام يكفي لتغطية ثمن أعلاف الحظيرة جميعا. وما نربيه من الأنواع الأخرى أكثر من الاستهلاك وبالذات الأرانب والبيض والحمام. كل ذلك نقوم بتسويقه ولدينا إنتاج بكميات كبيرة والتسويق يكون من داخل البيت ولا أحتاج إلى الذهاب للسوق.
وحول محتويات المنزل واستخدام المخلفات وبقايا الأطعمة تقول:
ليس لدينا ما يلقى بالأرض أو حاويات القمامة وبقايا الأطعمة والمطبخ نستغله كطعام للطيور والحيوانات. وهذه الأطعمة توفر علينا شراء كمية من الأعلاف التي نحتاجها “وروث” الطيور والحيوانات نصنع منه “الذوبال” لنستخدمه سمادا عضويا ليوفر ما يعادل 200$ سنويا في تسميد تربة الحديقة.
تدريب وخبرات
وهنا تشير أم رامي إلى خبراتها وما تتقنه من مهارات في مجال استغلال منتجات الحديقة المنزلية من تصنيع أغذية وتجفيفها وتجميدها، وابتكار أصناف وكيفية حفظ الأغذية. إلا أنها لا ترفض أي فرصة تدريب تقدمها المؤسسات الزراعية بالمنطقة لتحصل على أكبر قدر من الفائدة وإضافة خبرات جديدة لها.
إلا أنها بعد التدريب تقوم بتنفيذ عينات في بعض الأصناف وتعمل إضافات على بعض الأصناف لتحصل على أعلى جودة وتتم عملية التجفيف على جهاز تجفيف شمسي، حصلت عليه في إحدى الدورات التدريبية تجفف عليه العديد من المنتجات الزراعية وتستغله في تجفيف العديد من الأصناف أتقنتها منها: صناعة العجوة وقمر الدين والزبيب وجميع أنواع الفاكهة وجميع منتجاتها هي من إنتاج حديقتها وبالتالي تبدأ بالتنفيذ وعمل عينات حتى تتقن ما تلقته من تدريب وتنقل خبرتها لنساء أخريات. كما استطاعت تشغيل عمال براتب جزئي يساهم في تحسين دخل أسرهم في ظل الوضع الحالي.
وتستكمل أم رامي حديثها فتقول:
لن أنسى أيضا مدخل حديقتي المزروعة بالورود التي تعطيني منظرا جذابا جميلا تنبعث منه روائح عطرية، فلست بحاجة لشراء ورود وزينة لتزين المنزل خاصة أنني أمتلك أصنافا وألوانا مختلفة منها، وأصنع منها مربى الورد وأربي طيور زينة. فحديقتي هي جنة الحياة وسر سعادتي وسعادة أسرتي وزوجي الذي يساعدني في زراعة الحديقة، ويرشدني ببعض التعليمات إذا احتجت ذلك ومشكلتي الوحيدة هي مشكلة قطاع غزة “ندرة المياه” وإن كنت أسعى لمعرفة الكثير لأمارس هوايتي.
لذا أنصح جميع النساء وبالذات الفلسطينيات نظرا لما يعانينه في ظل الوضع الحالي بأن تستغل كل ما توفر لديها من إمكانيات لتحقيق ذاتها وتحسين دخل أسرتها سواء مهنة تتقنها أو جزءا من الأرض تزرعه تغطي به بعض احتياجات أسرتها؛ فربة الأسرة هي الأساس وهي جزء مهم في المجتمع، والتنمية داخل بيتها هي تنمية للمجتمع بأسره.