بالخيط الأحمر الأرجواني أو القاني طرزت الفلسطينيات خارطة الوطن المحتل، وبروعة وفن متكامل أنجزن الكثير من المطرزات ليضاهي التطريز الفلاحي الفلسطيني الكثير من الفنون التراثية اليدوية في العالم.
هذه المسيرة استمرت على مر تاريخ الحياة الفلسطينية، ومع الحاجة الماسة لحفظ التراث الفلسطيني من النهب الإسرائيلي، لجأت مؤسسات معينة لنساء المخيم الأكثر اتقانا للتطريز الفلاحي من غيرهن لإنتاج مئات المطرزات، هن نساء أيقن أهمية الحفاظ على هذا التراث فأعطينه حقه؛ حيث تواجه بذلك حملات سرقة التراث الفلسطيني التي تقوم بها العديد من المؤسسات الإسرائيلية، ومن جهة أخري توفر دخلا متواضعا يعينها على ستر أحوالها المادية وفي كثير من الأحيان يكون الدخل الوحيد الذي تناله تلك البيوت بعد فقدان معيلها مصدر عمله.
“إنسان أون لاين.نت” تتحدث إلى تلك النساء، فتسجل مقتطفات من يومياتهن مع التطريز الفلاحي في معركتهن مع الحياة في فلسطين المحاصرة.
راندة الصامدة
سبعة أمتار طول الزقاق الضيق الذي أوصلنا إلى مدخل بيت رندة في مخيم الشاطئ، هناك وجدتها جالسة كعادتها اليومية ترتكن على جدار البيت مطأطئة الرأس، تحدق في قطعة قماش أسندتها برفق على حجرها، كانت قطعتها تلك قد شارفت على الانتهاء برسم ملامحها الجميلة بالتطريز، أما على ركنها الأيمن فقد صفت إنجازها الأسبوعي الذي ستغادر به بعد قليل لكي تسلم إلى الموظفة، الحكاية عند رانيا بدأت قبل ستة أعوام، كانت تطرز لتدخل دخلا زائدا عن دخل زوجها الرئيسي وترضي موهبتها بإنجاز إبداع تراثي مهم، وبعد اندلاع الانتفاضة أصبح التطريز مهنة تدبر بدخلها أساسيات بيتها بعد أن فقد زوجها عمله كخياط في أحد مصانع الخياطة بغزة التي توقف توريد المواد الخام إليها بفعل إغلاق المعابر.
تفاصيل أكثر عن حكاية واحدة من حكايا نساء المخيم العاملات في التطريز ترويها لنا رندا قائلة: “لدي خمسة أبناء وأعيش مع زوجة شقيق زوجي في بيت واحد بغرفتين وزوجي عاطل عن العمل”، سردت لي رندة باختصار تلك المعاناة التي تعيشها، واكتفت بعد ذلك بصمت طويل، فهي أم تعيش مع أبنائها الخمسة في غرفة واحدة بينما الغرفة الثانية من نصيب أخ زوجها وأبنائه وزوجته، أما عن يوم رندا، فهو مكرر بتفاصيله؛ في الصباح تجهز أبناءها للمدرسة بينما تحتاج لساعتين لإنجاز أعمال منزلها بسرعة ومهارة عالية لتوفير الوقت الباقي للتطريز، تقول رندا: “أجلس على التطريز ما يقارب 10 ساعات تقريبا، أحب تلك المهنة لكنها أصبحت في صراع معها بعد أن فقد زوجها العمل، فأنا أطرز ليل نهار كي أوفر لأبنائي حاجاتهم الأساسية، كما أعاني من أوضاع صحية صعبة بسبب طول مدة التطريز”.
كثيرة تلك المنتجات التي تخرج من يد رندا المتعبة، معلقات حائطية بعضها مخطوط بكلمات مطرزة والبعض الآخر برسومات تراثية فلسطينية أو دينية كقبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك.. الوسائد.. حافظات النظارات وبطاقات المعايدة.
بعد الموهبة.. مهنة
اقتربت عقارب الساعة من الرابعة عصرا، وبدت خيوط شمس غزة المتناثرة على جدران البيوت المتواضعة في مخيم يبنا برفح تخف حرارتها، وهذا ما أخرج أم نور للجلوس أمام زقاق بيتها ترتكن إلى ظله، عندما ألقينا السلام عليها بدا واضحا عند اعتدالها لتسلم علينا تعبها الجسدي من الانهماك بالتطريز، لكنها استعدت برحابة للحديث معنا.
تقول أم نور: “تعلمت منذ عشرين عاما عدة تصميمات تطريزية تابعة لقريتي يبنا التي هاجر منها أجدادي عام 1948، وقد كنت أنظر لأمي دائما وهي تطرز أثوابا خاصة بها، وهذا ما دفعني لتعلم التطريز باكرا، وكانت جدتي تطلب من أمي أن تعلمني التطريز فتعطيني دائما قطعة صغيرة كي أتمرن عليها”، وتضيف: “أحببت التطريز ووجدت فيه هوايتي، فكنت أطرز أشياء عدة لبيتنا ولمدرستي إلى أن تزوجت وتغير الحال كله”. هناك تصمت السيدة قليلا وتطلب من ابنتها إعداد الشاي المعطر بالنعناع لنا، وتسارع للحديث عن معاناتها التي أجبرتها إلى تحويل الهوية إلى مهنة شاقة تعمل بها أكثر من 10 ساعات يوميا، فقالت: “زوجي لم يعد قادرا على تحمل أعباء المسئولية، ومنذ عامين لم يكن للأسرة أي مصدر دخل سوى 500 شيكل حصل عليها من نقابة العمال، وبعض المساعدات الأخرى”، أجبر هذا الأب على طرق أي باب من أبواب الرزق قد يوفر له القوت اليومي لأبنائه التسعة، وما كان على الزوجة إلا المسارعة في طرق أبواب الجمعيات الخيرية والأهلية للحصول على تموين قد يسد رمق أبنائها لبضعة أيام لكن الظروف الصعبة التي تمر بها تلك الجمعيات لم تعفها من تعرض وضعها الاقتصادي لكارثة.
حلقة الربط
وداد موظفة في إحدى الجمعيات الخيرية المعنية بشئون التطريز، منذ أكثر من عشر سنوات اعتادت على أن تقوم بدور الوسيط في حارتها، فهي تجلب يوميا المواد الخام الخاصة بالتطريز من جمعيتها، وتوزعها على نساء يمتهن التطريز كمهنة في هذا المخيم، تقول وداد: “بسبب الوضع الاقتصادي للكثير من الأسر الفلسطينية فنحن نعتمد على نساء المخيم في إنجاز مطرزات للجمعية التي تعتبر ذلك مشروع خيري يعينها على تغطية جزء من نفقاتها”، وتتحدث وداد عن طبيعة تعاملها مع النساء فتقول: “أجلب لهن المواد الخام كاملة وأحدد لهن عدد المنتجات ونوعيتها ووقت التسليم وأتابعهن خلال رحلة العمل وأمر عليهن لأري آلية العمل وذلك من أجل إنتاج مطرزات متقنة في كل شيء”.
في بيت وداد وتحديدا في ساحة البيت المفتوحة تجمعت بضع من النسوة لمتابعة أمور المطرزات، واحدة منهن أتت لتأخذ بعض المواد الخام والثانية جاءت تسلم حصتها من المطرزات بينما أتت البقية في جمعة ما بعد العمل لمجرد اللقاء الاجتماعي اللواتي اعتدن عليه في محاولة لتكاتف والتواصل الاجتماعي في هذا العمل، تقول أم يوسف: “بمعدل مرتين في الأسبوع أتي على بيت الحاجة هنا، مع جارتي العاملات في التطريز لمتابعة أمور العمل أو حتى لأتمتع بجلسة معهن ننفس فيها عن همومنا الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وهذا مهم لنا”. وتضيف أم يوسف التي نهرت طفلها العابث في الحوض الزراعي الصغير: “الحاجة خيرها علينا كبير فهي تساعد نساء الحارة في العمل بالتطريز وهي تتولي الرعاية والاهتمام لهن، وتجمعنا في بيتها في جلسات اجتماعية رائعة”.
جمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة
انتهجت الجمعيات التي تعني بذوي الاحتياجات الخاصة نهج معين، في تعليم وتدريب من ترعاهم على إنتاج المطرزات، وكانت جمعية “أطفالنا للصم” من ضمن تلك الجمعيات التي اهتمت بتدريب الفتيات الصم على التطريز بل والتميز والإبداع فيه ومما ساعد على تطوير تلك الجمعية في هذه الخدمات هو تمتعها بإمكانية إخراج منتجاتها خارج فلسطين وبيعها في السوق الدولي خاصة في معارض الجمعيات الخيرية فيما يخصص ريع منتجات التطريز لصالح الصم.
مريان واحدة من عشرات الفتيات الصم اللواتي وجدن في العمل بالتطريز من خلال الجمعية مهنة تدر لها دخلا مناسبا تساعد منه حتى عائلتها كبيرة الحجم، تقول مريان: “بعد أن تلقيت عدة دورات تدريبية، أصبحت واحدة من عشرات الفتيات الموظفات في قسم التطريز بالجمعية”، وأضافت وهي تتحدث إلينا من غرفة العمل التي تبدو كخلية نحل: “التطريز مهنتي التي أتقاضي منها راتبا وأحقق فيها ذاتي كأي مهنة أخرى وأنا أحب التطريز كثيرا ومتعتي عن استكمال القطعة التطريزية لا توصف”.
أما قرية الحرف والفنون التي أقيمت على أرض مدنية غزة وتعني بالحرف التراثية، فقد تربع فيها التطريز على رأس تلك الحرف وخصص له “بيت التطريز” الذي تجولنا فيه، بدا البيت بسماحته الضيقة جميل جدا يشدك برهبة من قطعة تطريزية لأخرى، ومن منتج وضع التطريز عليه لآخر، هناك ما لا تتخيل أدخل فيه التطريز، مرايا، أقلام، مساطر، صواني وساعات وحافظات النظارات وحافظات الجوال والشنط الحديثة، أما الأولون فقد كان على رأسها اللون الأحمر الأرجواني والقاني، أما الأثواب فهي عديدة ثوب يافا وذاك الثوب الخاص بمدينة الرملة وفي زاوية أخرى وضعت العديد من المفارش والحقائب المطرزة بأشكال وتصاميم مختلفة.
يتقبل هذا البيت مطرزات من النساء في المخيمات، كما يكلف القائمون عليه بعض النساء بتنفيذ منتجات معينة، وبالبدء في الحديث عن التراجع الواضح في بيع منتجات هذا البيت بسبب انعدام دخول السياح إلى غزة، يبقي للتطريز حقه الذي لا بد أن يستوفي، تقول إحدى العاملات في هذا البيت: “رغم أن بيع منتجاتنا انخفض بشكل كبير فإننا لا نقصر في إنتاج الكثير من المطرزات والعمل المتواصل على تطوير هذه المنتجات للحفاظ على التراث فيها”.
حافظت على الأصالة
حرصت المرأة الفلسطينية دائما على أن لا تنتقص أي إضافات تضعها على الثوب الفلسطيني المطرز أو أي من المطرزات من أصالة التطريز التراثية، د.عبد الرحمن المزين الفنان التشكيلي والباحث المختص بشئون التراث الفلسطيني يؤكد لنا أن المرأة الفلسطينية أضافت لفن التطريز الكثير، ويوضح أنه على الرغم من الضياع الذي شهده التراث الفلسطيني، خاصة الثوب الفلسطيني المطرز الذي حمل الهوية والقومية والتاريخ الفلسطيني وكان دليلاً نضالياً وتسجيلياً للإحداث السياسية على الساحة الفلسطينية، إلا أن منظمة التحرير الفلسطينية أوجدت مؤسسة صامد التي راحت تجمع التراث الفلسطيني وتعيد إحياءه من خلال تدريبها لجيل من الفلسطينيين على فن التطريز ليقوموا بحمايته من أيدي الغاصبين، وكانت تعود أرباح تسويقه إلى أهالي الشهداء والأسرى الفلسطينيين، ويشير المزين إلى أن جهود المؤسسة كانت سلاحا ذا حدين الأول الحفاظ التراث الفلسطيني وإعادة إحيائه، أما الثاني فكان اجتماعياً إنسانياً يضمن الحياة الكريمة لأهلي من ضحوا بأرواحهم وحريتهم من أجل الوطن الفلسطيني.
يقول المزين إن مؤسسة أبناء فلسطين “صامد” فتحت مراكز مختلفة لها في الدول العربية جندت جل أعمالها لحماية وإحياء التراث الفلسطيني، فأنشأت مراكز بيع ومتاحف وفروع للمشاغل، ويلفت المزين أن السيدة الأولى التي عملت على إعادة التراث الفلسطيني هي زوجة الأسير محمود حجازي أم بكر التي راحت تحافظ على الوحدات الزخرفية القديمة التي امتاز بها الثوب الفلسطيني، ويتابع لقد أوجدت صامد حوالي 38 مشغلاً في مخيمات اللجوء في لبنان، كانت تزود الفتيات الفلسطينيات من أبناء الشهداء والأسري بل وزوجاتهم أيضاً اللاتي لم تسعفهن الظروف الاقتصادية باللحاق بركب التعليم العالي، بدورات تدريبية بعدها يعملن وينتجن الأثواب بمقابل مادي يعينهم على شظف الحياة ومتطلباتها الكثيرة، ويلفت المزين أن جل إنتاج المشاغل كان يروج للهوية الفلسطينية فصنعوا الأثواب الفلسطينية بالإضافة إلى الحطة والكوفية التي أضحت بعد ذلك رمزاً للفلسطينيين أيما وجدوا، ويتابع على صعيد الأثواب الفلسطينية المطرزة لم يخرجوا عن المألوف، فربما خففوا في بعض مساحات التطريز، مستطرداً لقد حافظوا على شكل المساحات القديمة، كما أنها عملت على استبدال الشاش المطرز الذي كانت تضعه المرأة كغطاء للرأس بشال من التفت الأبيض أو الأسود مطرز بنفس الوحدات الزخرفية التي أوجدت على الثوب تضعه المرأة الفلسطينية على كتفيها ليزيد من جمال ملابسها، ثم عمدت أيضاً إلى عمل جاكت ترتديه المرأة الفلسطينية في المؤتمرات الدولية لتدل على هويتها الفلسطينية الأصيلة..
لم يفلح الاحتلال رغم محاولاته الحثيثة في طمس الهوية الفلسطينية بفضل الجهود الجبارة التي حملتها صامد على عاتقها بالإضافة على بعض المؤسسات الفلسطينية الغيورة على تاريخها الوطني والنضالي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69360
