فلسطينيات.. ‘التخليل’ خيار إستراتيجي

من لا شيء صنعن ثغرة في جدار الحصار الخانق، حاولن أن يجدن بديلا يكن لهن ولأسرهن عونا على مصاعب هذه الحياة التي تزداد مصاعبها يوما بعد آخر. وفي ظل حصار يعاني منه الجميع، ويرفضه الجميع أيضا، خرجت نسوة مخيم بلاطة من أجل توفير ليس فقط البحث عن “لقمة عيش” لو متواضعة ولكن أيضا كي يقهرن الحصار، حيث عثرن على ضالتهن في المشروع الإنتاجي الذي نظمه مركز البرامج النسوي في مخيم بلاطةللاجئين الفلسطينيين بمدينة نابلس.
من خير بلادنا
تقول منال حمد عضو الهيئة الإدارية للمركز: “في هذه الأوضاع الفلسطينية الصعبة
والحرجة عمد المركز إلى إيجاد مشاريع تشغيلية للنساء، حتى يساعدن أنفسهن في إيجاد
بدائل للدخل المادي لهن، خاصة بعد ارتفاع نسبة الفقر والبطالة أيضا، ومساعدة
أزواجهن الذين أصبحوا يفتقرون للعمل”.
وأضافت: “قمنا بتوفير مشروعين إنتاجيين للنساء؛ فالأول هو مشروع التطريز، والذي
تم إعطاء النساء في بدايته دورة تدريبية لذلك، ومن ثم تم تشغيلهن فيه كأيد عاملة،
بحيث تأخذ المرأة الأدوات اللازمة لتنفيذ قطعتها التي تريد تطريزها، وبعد أن تنتهي
تسلمنا إياها، ونحن نتولى قضية تسويقها وبيعها هنا أو بالخارج، بالطرق التي نراها
مناسبة”.
والمشروع الآخر الذي طرحته السيدة منال حمد هو منتوجات الأرض الطيبة، ويقوم هذا
المشروع على الخبرات الموجودة في مركز البرامج النسوي، وتشغيل الأيدي العاملة فيه،
والنساء اللواتي يرغبن بالقيام بهذا العمل.
وتقول السيدة منال: “بدأنا في هذا المشروع بتخليل الخيار، حيث إنه موسمه الآن،
وهو أرخص ما يكون في هذا الوقت من السنة، وبعد أن ينتهي الخيار سنقوم بتخليل الجزر
والفلفل الأخضر وغيره من الخضراوات التي يمكن الاستفادة منها في موعدها”.
وتضيف منال: “هذا المشروع كلفته 4 آلاف دولار، وتعمل به حتى الآن 130 امرأة من
المخيم، بحيث تعمل كل واحدة فيهن 3 ساعات يوميا، ويقوم المركز بتنسيق العمل بينهن
من أجل توزيع الاستفادة من المشروع على جميع النساء اللواتي سجلن أسماءهن، وبعد أن
ننتهي من هذا المشروع “تخليل الخيار” سنضع المنتج في أحد المخازن، ونعلن عنه خلال
معرض سنفتتحه في شهر أغسطس القادم”.
وأكدت السيدة منال على أن المشروع هدفه توفير نسبة من الدخل للنساء العاملات
فيه، مشيرة إلى أنه يتم إعطاء النساء دورات تدريبية قبل البدء بالمشروع من قبل
خبراء ومختصين بالتصنيع الغذائي، حتى يكون المنتج في أفضل حالة، مؤكدة أن “المنتج
الذي سيقدم للسوق سيكون عليه الطابع الخاص بالمركز النسوي، ويكون منافسا للمنتجات
الأخرى، إن لم يكن أفضل حالا منها”.

وأوضحت السيدة منال حمد أن المركز قام بعمل دراسة اقتصادية للمشروع والبحث عن
حاجة السوق لمثل ذلك، وقالت: “بعد أن تبين لنا أن السوق تنغمر بالمنتج الإسرائيلي
من هذا الصنف، فكرنا بعمل شيء منافس له ويكون أقل منه ثمنا أيضا، خاصة أن منتجاتنا
مشغولة بأيدي نظيفة وفيها رقابة صحية وإشراف خبيرة تصنيع غذائي”.
لماذا هذا المشروع؟
وجاء اختيار مشروع التخليل لدى المركز النسوي في بلاطة نتيجة لعدة عوامل كما
تبينها السيدة حمد، ومن أهم هذه العوامل، حاجة السوق لمنتجات فلسطينية محلية من هذه
الأصناف، كما أن هذا المشروع جاء في موسمه، بالإضافة إلى أنه ليس بحاجة إلى آلات
ومعدات لإنتاجه، والجدوى الاقتصادية له معروفة، مؤكدة أن المركز سيبقى يبحث عن بديل
تشغيلي للنساء العاملات في البرنامج بعد انتهائه.
“طبخة”
من ناحيتهن امتدحن النساء اللواتي يقمن بالعمل في هذا المشروع الفكرة، حيث شعرن
بأنهن لسن عبئا على أزواجهن وأسرهن، كما تقول سهيلة مراحيل، العاملة في هذا
المشروع.
وتضيف سهيلة: صحيح أن الدخل الذي أجنيه من عملي هنا ليس بالكثير، ولكني لا أعيبه
أبدا، فهو على الأقل وفر لي “طبخة” كنت أبحث عنها أنا وبناتي السبع وزوجي في البيت،
وأنا أشعر بالسعادة في هذا العمل، وأريد الاستمرار فيه.
وأكدت السيدة مراحيل أن هذا العمل صقل شخصيتها، وساعدها على بناء ذاتها أكثر
فأكثر، خاصة أنها عملت قبل هذه الفترة عن طريق مكتب العمل، فيما يعرف بـ”مشروع
البطالة”. كما أنها تمتلك ماكينة خياطة في المنزل تساعدها قليلا على قضاء حوائجها
وحوائج أسرتها.
من ناحيتها أوضحت أم إسلام منسقة المشاريع في المركز والمنفذة لها، أن المتقدمات
للعمل يزدن في كل يوم، خاصة في ظل هذه الأوضاع التي نعيشها، مؤكدة أن المركز يسعى
لتشغيل أكبر كم من النساء وأكثر من مرة واحدة.
بهذه الطريقة أو بتلك تسعى النساء الفلسطينيات أينما وجدن لإيجاد البديل لأسرهن،
إثر الأزمة الخانقة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، فلا امرأة ولا زوج ولا ابن، يرضى
أن يكون عالة على نفسه ومجتمعه في هذا الوقت بالذات.