فاطمة الجدع.. تنقذ فتيات فلسطين من ذل العمل بالمستوطنات

هي امرأة فلسطينية تُدعى فاطمة الجدع وتُكنى بأم أحمد، في السادسة والأربعين من عمرها من ذوي الاحتياجات الخاصة، انتزعت بجدارة جائزة البنك الإسلامي للتنمية، كواحدة من النساء اللواتي نجحن في عملهن ووفرن فرص العمل لمثيلاتهن في المجتمع.
على أرض قرية حبلة الواقعة شمال الضفة الغربية والقريبة من المستوطنتين الإسرائيليتين “متان” و”الفيه منشه”، أقامت أم أحمد مشغلا صغيرا تحول بعد سنوات من العمل الدءوب إلى مشغل كبير بمساحة 1300 متر مربع ليتسع إلى 170 ماكينة، وعدد العاملات في المشغل يفوق الـ185 عاملة يحضرن من القرى المجاورة، وأصبح للمشغل ستة فروع في شمال الضفة الغربي شُغل فيها مئات الفلسطينيين من الجنسين.
“إنسان أون لاين” تحدث لأم أحمد في يوم عملها الأول بعد عودتها من الكويت واستلامها الجائزة.
من قرية حبلة تخرج أم أحمد من بيتها لتبدأ يومها العملي وتحديدا في الساعة السابعة صباحا لتعود منه في الخامسة مساءً، ومن المركز الرئيسي بحبلة والذي يضم 90 سيدة عاملة تباشر أم أحمد أول مهامها اليومية، ومن ثم تخرج لتفقد أفرع مشروعها المنتشرة بالقرب من القرية.
تبدأ أم أحمد من وسط ضجة العمل في المشغل تتحدث لنا عن مشوار مشروعها الناجح فتقول: إنها دائمة التفاؤل والأمل بالغد القريب، فقط المطلوب قليل من الإيمان والإصرار على مجابهة العقبات إذا ما اعترضت طريقنا. وتوضح: “الحمد لله.. الفضل والنجاح يعود لوالدي الذي اشتري لي ماكينة الخياطة الأولى وشجعني على العمل فيها قبل عشرين عاما، بل إنه لم يكتفِ بذلك؛ بل جعلني أتعلم القيادة كي أتولي مهمة توزيع الإنتاج في تحدٍّ كبير لرفض المجتمع القروي لقيادة الفتيات، وهذا ما ساعدني على أن أتولى عملي كله وألا أعتمد على أحد”.
نجاح أم أحمد لم يتوقف عند مهارتها في حياكة ملابس عادية تحيكها كأي خياطة عادية، وما يؤكد لنا ذلك استعانة الجمعية الخيرية الكائنة في قرية حبلة بها لتدريب فتيات القرية، ومن ثم تنظيم معرض للخياطة نجاحه كان السبب الرئيسي في توسيع أم أحمد لعملها خارج تلك الغرفة الصغيرة في بيت والدها.
العاملات في المستوطنات

فاطمة في أثناء تسلمها الجائزة
لم تكن أم أحمد الجدع وهي زوجة لفلسطيني يعمل مدير مدرسة من قرية كفر برا في فلسطين المحتلة عام 48 تستهدف النساء الماهرات في الخياطة فقط كي تُكوّن منهن العمود الفقري للمشغل؛ بل حرصت على أن تكون عاملاتها بحاجة لمردود مالي من المشغل، ومن ثم يأتي التدريب والتأهيل للعمل، لذا فإنها كثيرا ما استعانت بنساء يعانين من أوضاع اقتصادية سيئة علها تكون بمشغلها طوق نجاة لهن من تلك الظروف، أما الأهم فهو استقطابها للفلسطينيات العاملات في المستوطنات الإسرائيلية، فلديها في المشاغل الثلاثة العشرات ممن عملن في السابق بالمستوطنات الإسرائيلية المحيطة في القرية.
ومن بين النساء اللواتي أنقذتهن أم أحمد من وطأة الفقر استقطابها لمطلقة وأم لطفلين كانت تعاني ظروفا صعبة وتحسن وضعها بالعمل في المشغل، كما أنها روت لنا قصة سيدة أخرى كانت تعمل في مستوطنة وسرحها اليهودي الذي كانت تعمل لديه دون أن يوفيها أجرها لمدة الأربعة أشهر، فما كان من أم أحمد إلا استقطبتها للعمل وأعطتها سلفة لتحسين وضعها قبل خمس سنوات.
وهنا تقول لنا فاطمة الجدع: “الصمود على هذا الأرض ومواصلة الحياة الصعبة هدف جعلني حريصة كل الحرص على تجنيد العمل مع أجل خدمة كل متضرر من الاحتلال، ويعصرني الألم لعدم استطاعتي تشغيل المزيد من العاملات حتى إنه في الفترة الأخيرة طلبت مني مدرسات العمل في المشغل بعد الظهر لعدم تقاضيهن الراتب الحكومي منذ ثلاثة شهور”.
إغلاق ضد التسويق
وبعد سنوات من التطوير التدريجي نجحت فاطمة الجدع في أن تعتمد على مُصدر فلسطيني يعيش في الأراضي المحتلة عام 1948 لتصدير منتجاتها من الملابس الجاهزة للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية، إضافة إلى تجار من مسلمي الداخل الفلسطيني.
ولم يكن التسويق في أراضي محاصرة ومُغلقة المعابر بالأمر العادي الذي لا يعود إلا بالضرر المعتاد في التجارة على أم أحمد، فهي في معرض ردها على سؤالنا حول الصعوبات التي تواجهها، ذللت أم أحمد كل العقبات والصعوبات وحصرتها في الإغلاق فقط وقالت: “الإغلاق هو من يؤثر على تسويقنا؛ ذلك أن البضاعة التي ينتجها المصنع للأجانب يحدد تسليمها بوقت معين، وهو كثير ما يكون وقت إغلاق المعابر”. وتروي لنا أم أحمد كيف صمدت مؤخرا في وجه خسارة فادحة نتجت عن تعطيل تسليم “طلبية ” قدرت خسائرها بمليون شيكل (الدولار يعادل 4.6 شيكلات)، تقول أم أحمد: “الحمد لله.. كان الأمر قاسيا جدا.. إلا أنه تم تعويض جزء منها؛ حيث قمت ببيع بعضها محليا أي بحوالي 11 ألف شيكل، كما عوضتني وزارة الاقتصاد بصرف شهر للعمال ضمن برنامج البطالة، واقترضت من صندوق التنمية ورهنت العقارات وما زلت أعاني من الديون والضرائب لكني مصرة على المواصلة والعمل”.
الجائزة والحلم
ولكن كيف كانت مشاعر أم أحمد وقت علمها بفوزها بجائزة بنك التنمية الإسلامي بالكويت، التي خصصت لأقدر السيدات العاملات على تحدي ظروف قهرية في العمل والنأي بمشروعها عن الخطر، تؤكد فاطمة الجدع أن الفوز بالجائزة أفاض لديها مشاعر مختلطة، فقد نجحت في تحدي الاحتلال وجداره العازل الذي كبدها الكثير من الخسائر المادية، كما أنها تحدته حينما عمدت إلى استقطاب السيدات العاملات في المستوطنات للعمل لديها في عمل فلسطيني يمتاز بالدقة والروعة في الإنتاج، وتعتمد على استيراده منها دول أوروبية بالإضافة إلى أمريكا وفرنسا.