الفتيات المعاقات في رفح.. أحلام تتكسر وأخرى تقطف الثمار

يمتلكن من المواهب الكم الكثير.. تتحدث عيونهن عن أمل كبير.. يمتلكن طموحات واسعة الأفق.. ينظرن إلى الحياة بنظره يشوبها الأمل بغد مزهر.. يمتشقن ريشهن لرسم لوحات تنطق بالحياة.. فمنهن من تحرز البطولات، وأخريات تكملن مشوارهن الجامعي متطلعات إلى الماجستير والدكتوراة.. إنهن نساء حاولت الإعاقة أن تعرقل خطاهن الواثقة لإثبات ذواتهن في دنيا البشر، لكنهن تحدين ذلك؛ فكانت منهن الأخصائية الاجتماعية أو الطبيبة الصيدلانية أو الفائزة ببطولة.
الدكتورة نعمة زنون طبيبة صيدلانية (30 عاما) وجه ملائكي جميل تنطق ملامحه بالطفولة والأمل، تعانى من شلل أطفال منذ الولادة، إضافة إلى تشوه خلقي، بدأت حديثها بالقول:” أنهيت تعليمي الأساسي حتى الصف الثاني عشر في السعودية، حيث لم أواجه أية مشكلة في التعليم؛ فهناك يتم دمج المعاقين فى جميع المدارس، وبعد إنهاء الدراسة الأساسية بدأت رحله أسميها أحيانا برحلة الصمود والمعاناة والصبر، حيث قررت أن أكمل تعليمي الجامعي في الأزهر، سجلت في قسم الصيدلة، وكنت من المتفوقين فى الكلية، و أحيانا كثيرة كنت أصطدم بنظرة الطلبة المحرجة في الجامعة، فأعود إلى المنزل تملأني الرغبة في عدم العودة في اليوم التالي، فقد كنت أتألم كثيرا؛ ولذا فكرت في ترك الجامعة مراراً !! لكني رغم ذلك أصررت على التحدي ومواصلة المشوار.
وتضيف زنون قائلة: ” للأهل الدور الكبير في زرع الأمل و التفاؤل عند أطفالهم المعاقين، وعدم النظر إلى إعاقتهم على أنها عبء وثقل على الأسرة، فلقد كان لأهلي دور كبير في إكمال تعليمي الجامعي، إضافة للإرادة القوية التي كانت بداخلي لتحقيق النجاح وإثبات الذات، فكنت أتغلب على هذه الصعوبات التى تواجهني و النظرةِ السلبية التي كانت سائدة في وقتها. مضى على تخرجي 6 سنوات، حيث كنت أرسم أحلاما كبيرة؛ وذلك كوني الوحيدة المعاقة في القسم، فكنت أحيانا أسرح على أمل أن يكون لي حظ كبير فى التوظيف في وزارة الصحة”.
أما م. ش (31 سنة) وتعمل في جمعية المعاقين حركيا وتعاني من شلل في القدم اليمنى فتقول:” لقد ولدت طبيعية، وما أن أكملت عامي الأول حتى أصبت بسخونة شديدة، فحقنت بحقنة خاطئة، ومن بعدها أصبت بشلل كامل لم أستطيع حتى الوقوف أو المشي، وأجريت عملية جراحية في الثامنة، تمكنت بعدها من المشي باستخدام عكازين.
وتضيف:” في المرحلة الابتدائية كنت متضايقة جدا، فكنت أريد أكون كبقية الأطفال، أخرج للفسحة وألعب وأركض مثلهم، وكنت أشعر بعدم رغبة في التعليم، ولكن أهلي كانوا يصرون على أن المستقبل في التعليم، وبعد ذلك أجريت العديد من العمليات لإيجاد نوع من التوازن في قدمي؛ لكي استطيع المشي بدون عكازين .
ما ذنبنا؟؟!

سلاح العمل مهم جدا للمعاقات
وتمضي ( م. ش) في رواية قصتها في قهر الإعاقة قائلة: ” كان لوالدتي دور كبير في إكمال تعليمي الجامعي، سجلت في جامعة الأزهر، ووقتها حدثت الانتفاضة والاجتياح، فانقطعت عن التعليم، وأقبلت على دورات الكمبيوتر والحاسوب، ومن خلال ذلك عملت في جمعية المعاقين حركيا سكرتيرة، فكان ذلك حافزا كبيرا لكي أعود لإكمال الدراسة، واخترت جامعة القدس المفتوحة؛ حيث التحقت بتخصص الخدمة الاجتماعية.
وحول الزواج، تقول (م. ش) إن المجتمع بكل أسف لا يزال ينظر نظرة ضيقة للمعاقين؛ لذلك قررت عدم التفكير بموضوع الزواج. وأضافت مبتسمة: ” العاديون لديهم العديد من المشاكل والطلاق، فكيف سنكون نحن؟!”.
وعن طموحاتها المستقبلة تقول (م. ش) :”أنها تفكر حاليا بالتقدم للماجستير في الجامعة الإسلامية؛ وبعد ذلك الدكتوراة” مشيرة إلى أنها تتمنى من السلطة أن تهتم بشريحة المعاقين، وأن توفر لهم الخدمات الخاصة؛ ليس فقط التعليم والصحة، بل خدمات الترفيه ونوادي السباحة والرحلات، التي لا توجد في رفح، إضافة إلى تأهيل المعاقين حركيا .
من جهتها، استقبلتنا الطفلة بشرى أبو جزر(15 عاما) بتنهيدة قوية تعجز عن وصفها الكلمات قائلة: ” لقد درست المرحلة الابتدائية في مدرسة شمس الأمل، وكنت من المتفوقات، وعندما أنهيت المرحلة الابتدائية اصطدمت بجدار عدم الدمج في جميع المدارس، فالمدرسة الوحيدة في رفح التي تقبل المعاقات بعيدة عن منطقة سكني، وسوء حال أسرتي الاقتصادي شكَّل عائقا كبيرا أمام إكمالي للتعليم؛ لعدم وجود ما يؤمِّن نفقات التنقل للمدرسة”، وتمضى متسائلة في حسرة ممزوجة بالغضب: ” ما ذنبنا؟! هل الإعاقة ستكون السبب في حرماني من التعليم؟! لقد حُرمت أن أكون كغيري من الأطفال!! وأحمِّل السلطة الوطنية بكافة مؤسساتها قضيتي وقضية المعاقين”.
لا تعطيني سمكة
ويستعرض حيدر أبو شاويش مدير جمعية المعاقين في رفح -وعضو مجلس إدارة الجمعية الأم في قطاع غزة- نشاط الجمعية، مشيرا إلى أنها تخدم 1500 حالة من رفح إضافة لـ600 حالة من محافظة خان يونس، حيث يشكل المعاقون شريحة واسعة في البلد لهم حقوق وواجبات، مقارنة بغيرهم من الأسوياء، ونحن كمؤسسة للمعاقين في رفح نجد هناك تقصيرا كبيرا من السلطة تجاه هذه الشريحة بداية من عدم تطبيق قانون المعاقين، فهناك نقص كبير في الخدمات الصحية والأجهزة المساعدة، إضافة إلى قلة فرص العمل، فالمعاق ينادي بالمثل القائل: “لا تعطني سمكة، لكن علمني الصيد وأعطني صنَّارة”، ومن هنا نطالب بفرص عمل للمعاق تتوافق مع قدراته الصحية، ويستطيع من خلالها توفير مصروفاته ومصاريف أسرته”.
ويضيف أبو شاويش:” ينهي المعاقون حركيا التعليمَ في المرحلة الابتدائية ولا توجد مدارس مؤهله في محافظة رفح سوى مدرسة واحدة، لا تخدم جميع سكان المحافظة بسبب بعد الأماكن، وعدم مقدرة الأهل على تأمين نفقات المواصلات لأبنائهم، بسبب الوضع الاقتصادي السيئ”.
ويقول أبو شاويش: “النظرة السلبية للمعاق قد تغيرت كثيرا بسبب العلم والجهود التى تبذلها المؤسسات من أجل دمج المعاقين في الحياة العامة”.
كما طالب أبو شاويش بتفعيل قضية المعاقين، كما يجب النظر إلى قضيتهم بعين الرفق والرأفة؛ فالمعاقون لهم حقوق كبيرة على الدولة ويجب تفعيلها”.
نادي الأمل للصم
وفي نادي الأمل للصم في رفح، المكان أشبه ما يكون بخلية النحل؛ شابات يافعات يشكلن جلسات لتعليم من لم يحالفهم الحظ من الصم في تعلم لغة الإشارة، وفي إحدى الجلسات نلتقي إخلاص زعرب (21 سنة)، وبعد إلقاء التحية ترحب بنا بطريقتها الخاصة، لتقطع الدرس وتدعونا لشرب الشاي في مكتب النادي قائلة: ” أنهيت الصف التاسع، وكنت أطمح لأن أكمل دراستي في المرحلة الثانوية، وحلمت كثيرا بأن أدرس التحاليل الطبية، فأنا متيمة بالطب والكيمياء”.
وتضيف متسائلة: “هل إعاقة الصمم هي مبرر أمام المسئولين لكي ينبذونا، ونصبح بلا مستقبل؟!! مطلبنا الوحيد هو الحق في التعليم وفي العمل؛ لأننا بشر، ولنا على الدولة حقوق”، وتشير زعرب إلى فوزها بالمرتبة الأولى في بطولة التنس للفتيات على مستوى قطاع غزة، كما فازت زميلتها منى المصري بالمرتبة الثانية.
عدم إلزامية القوانين!!
وطالب مدير مركز الأمل لتأهيل المعاقين – درويش أبو شرخ – بتفعيل قانون حقوق المعاقين رقم 4 لسنة 1999، الذي أقره المجلس التشريعي وصادق عليه رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، فالحق الذي وهبه القانون للمعاقين أصبح ملزما ولا بد من تطبيقه، ولكن كأن هذا القانون حبر على ورق، فلم يتم تطبيقه، ولا يستفيد المعاقون من هذا القانون سوى بعض المساعدات من وزارة الشئون الاجتماعية والصحة؛ من حيث الكشف على السمع، والمساعدة ببعض السماعات للمعاقين سمعيا.
وأشار أبو شرخ إلى وعدم توافر الدعم المادي الكافي للمساهمة في دمج المعاقين داخل مجتمعاتهم، إضافة لعدم إلزامية القوانين والأنظمة التي تساهم في حماية حقوق المعاق بالمجتمع، والتهرب من تطبيق القانون، كما أن نظرة المجتمع الدونية والسيئة للأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة تتطلب وعيا وضغطا جماهيريا؛ لإلزام الناس بالالتزام الأدبي والأخلاقي تجاه هذه الفئة من المجتمع.
وعن بداية جمعية الأمل، يقول أبو شرخ: “إن بداية المركز كانت في بداية 1991، حيث كانت المحاولة الأولى في رفح، وتم تأسيسها كجمعية، ومع توافر التمويل أصبحت هناك تغيرات كبيرة للمعاقين في الخدمات المقدمة من حيث الكم والنوع، ولكن الجمعية تقتصر خدمتها فقط على الإعاقات السمعية “الصم” فتقدم سلسلة من الخدمات السمعية من الأجهزة الخاصة بالسماعات، وكذلك المساعدة في تعلم لغة الإشارة، كما تم إنشاء نادي السنابل للمعاقين إضافة إلى نادي الأمل للمعاقين”.
وأضاف أبو شرخ: “هناك مشكلة كبيرة تواجه المعاقين، وهي التعليم وفرص الحصول على وظائف؛ وذلك بسبب عدم تطبيق الجزء الخاص من قانون حقوق المعاقين، وهو تخصيص 5% من الوظائف الحكومية للمعاقين؛ ففي المؤسسة نوفر فرصة التعليم للمعاقين حتى الصف التاسع، وذلك بسبب قلة الإمكانيات والتمويل المقدم من الخارج وشح الخدمات المقدمة من الدولة؛ مما يجعل المعاق يصطدم بالحياة، وذلك بسبب ضيق آفاق التعليم الخاصة به، فيقتل ذلك أمل كثير من المعاقين الذين لهم رغبة كبيرة في إكمال تعليمهم، فتصبح الصورة قاتمة عند المعاق عن الحياة”.