مشروع نقش الخشب.. قضى على وجع البطالة

المكان قرية الحرف والفنون، القائمة على أرض قريبة من شاطئ بحر غزة، على يسار الباب الرئيسي للقرية تُوجد غرفة “المنتجات الخشبية”، تشدك إليها قبل النظر رائحة الخشب الطبيعي المنبعثة منها، وما أن تصل المكان حتى تُبهرك منتجات خشبية حُفرت ونُقشت ونُحتت بدقة تجمع بين متطلبات العصر وعراقةالماضي.
في هذا المكان، وُلد قبل 5 سنوات مشروع لشابين فلسطينيين، كانا منذ عام 1995 ضمن
قوائم البطالة، شابان جمعتهما في البداية صلة القرابة ثم ربط هذا المشروع مستقبلهما
بخيط واحد.
البداية كانت دورة تدريبية في فن الحفر على الخشب مدتها 52 ساعة انتهت بصنع
“أبجورة” ذات شكل هندسي مميز وهي منتج كل طالب، ويروي رامي الشرقاوي، الحاصل على
دبلوم تجارة عام 1995، لـ”إنسان أون لاين” تفاصيل تلك اللحظة: “بعدما انتهينا من
الدورة التدريبية كان علينا أن نعود إلى وضعنا قبلها وهو الحياة دون عمل بدبلوم
التجارة الذي حصلت عليه، كنت دائما أنظر إلى “الأبجورة” التي خرجت بها من الدورة
وقررت ألا أجعلها أول وآخر ما صنعت”.
وتابع قائلا: “بدأت أنفذ في بيتي كل المنتجات التي تُصنع وتُنقش على الخشب وقد
كنت أبتكر تصاميم وأفكار جديدة دائما، وأجد الخشب لينًا في تنفيذ الكثير من الأشياء
التي كانت تُرسم في خيالي”.
بداية المشوار
عندما كثرت منتجات رامي التي صنعها في غرفته ووضعها في نفس المكان، ولإعجاب جميع
من رآها، بدأ يسعى إلى إقامة معرض يكفل له إخراج مثل تلك المنتجات التي هي الأولى
من نوعها إلى السوق الفلسطينية المحلية.
ووصل رامي بهذا الحلم إلى قرية الحرف والفنون أولى المؤسسات الفلسطينية الرسمية
المعنية بإقامة معارض فنية وتراثية للفلسطينيين، لكن إدارة القرية وهي تابعة لبلدية
غزة عرضت على رامي وصديقه مصطفى الشنتف عرضا آخر، وهو منحهما محلا مناسبا داخل
القرية خاصا ببيع منتجاتهما، بجوار محلات بيع المطرزات وأدوات النحاس والفخار
والنتريات التراثية، وهو مشروع يقضي بأن تحصل القرية على نسبة قليلة من ثمن البيع
وتحديدا 7.5% فقط.
داخل محلهما الجديد يُقسم العمل بين رامي ومصطفى في نظام وتفاهم؛ فهذا المشروع
هو ما غيّر حياتهما وجعلهما مستقلين ماديا، أدواتهما هي الأزميل ومثقاب الخشب
والقدوم والمطرقة والمثقاب المقوس ومنشار صينية كهربائي ومنشار أركت للتفريغ.
يقول مصطفى لـ”إنسان أون لاين”: “تُعتبر المنتجات الخشبية المنقوشة منتجات جذابة
فلم تعد تقتصر على الأبواب والشبابيك، بل إنه ابتكر مؤخرا نتريات ومنتجات بأشكال
فنية وأنواع جديدة خلابة”. ويُضيف مصطفى وقد أوكل مهمة التعامل مع الزبائن إلى
قريبه وشريكه في المشروع رامي: “وجودنا في هذه القرية منح مشروعنا البقاء
والاستمرار، الحمد لله وفّر لنا ذلك فرصة جيدة للعمل والكسب أنستنا آلام البطالة
التي عانينا منها لسنوات”.

ويتحدث مصطفى بحماسة عن أنه في وسط الحصار الذي يُفرض على الأراضي الفلسطينية،
تُولد المشاريع الاقتصادية ذات الهدف السامي للحياة وهو العيش بكرامة وخدمة الوطن
المحتل؛ إذ أنهما -وعلى الرغم من تأثر المبيعات بالظروف الاقتصادية- حرصا على العمل
بنفس الوتيرة من حيث الإنتاج والنشاط. ويتحدث مصطفى عن يومه، ويقول: “أعيش في حي
الزيتون وفي بيتي هناك أصنع الكثير من المنتجات، بعد أن أكون قد حددت مع رامي حصتي
من المنتجات”.
قوة الإرادة
وإذا كان من الطبيعي أن يواجه أي مشروع صغير أو كبير في البداية صعوبات، سواء
كانت في الحسبان أم لن تكن، فإن الوضع بالنسبة للمشاريع الصغيرة في غزة، ذلك السجن
الكبير الذي يعيش في داخله أكثر من مليون شخص، يفرض صعوبات يندر أن تتكرر في أي
مكان آخر في العالم.
وهنا يروي لنا رامي كيف مُنعت عنه المواد الخام قبل فترة قصيرة من استعدادهما
للإعلان عن افتتاح المحل، ويضيف: “عندما بدأنا نجهز ونحصر المنتجات التي يجب أن
تُعرض في المحل وقت الافتتاح احتجنا لبعض المواد الخام وعلى رأسها ألواح الخشب التي
تُصنع منها منتجاتنا، لكن بسبب الحصار على غزة وإغلاق المعابر لم نجد من هذه المواد
إلا القليل وقد كانت بسعر مضاعف، وأُجبرنا على شرائها لكي ننجز ما بقي علينا، ومنذ
هذا اليوم اعتدنا على تخزين حاجاتنا من المواد الخام كي لا يتوقف العمل بسبب عدم
وجود المواد الخام”.
ويستكمل رفيقه في المشروع الحديث عن الصعوبات التي يعيشها مشروعهما، فيقول
مصطفى: “وجودنا في هذه القرية التراثية كان من أجل السياح العرب والغربيين الذين
يُفترض أن يأتوا إلى هنا، فهذه القرية كان يقصدها مئات السياح، لكن اليوم لا أحد
يأتي بسبب منع دخولهم إلى غزة من قبل الاحتلال، ولذاك نحن نعتمد في بيعنا على
الزبائن المحليين، فهذه المنتجات تحتاجها كل البيوت خاصة العرسان الجدد الذين
يحرصون على وجود منتج أو اثنين من الخشبيات في بيوتهم لما لها من رونق جميل”.
في نهاية كلامهما، أعرب مصطفى ورامي عن أملهما الكبير في أن تتحسن الأوضاع
الاقتصادية للفلسطينيين وهو ما سينعكس على كافة المشاريع وليس فقط مشروعهما، كما
أعرب لنا رامي عن حلمه الكبير في أن يتمكن من تصدير تلك المنتجات لخارج فلسطين أو
على الأقل إلى القدس ومناطق الضفة الغربية، بل وكشف عن تخطيطه وأمله في الاشتراك
بمنتجاته في مهرجان دبي للتسوق وذلك لإيصال المنتجات التراثية الفلسطينية لكل العرب
والمسلمين.