كثيرة هي المحن التي واجهتها في حياتها، لكنها استطاعت تجاوزها، وبأحرف من نور استطاعت أن تكتب مسيرة التحدي التي ملأت سني عمرها الثلاث والأربعين دون أن تهنأ بنعيم الطفولة الغائبة، ورغم كل المعوقات استطاعت الصمود والخروج شامخة بل ومعلمة، إنها المعلمة المعاقة “كفاية أبو ناموس” 43 عاما من حي الشجاعية بمدينة غزة.
بداية المأساة
في العام 1967 الذي عرف بعام النكسة أكملت قوات الاحتلال الصهيوني احتلالها لما تبقى من أرض فلسطين الطاهرة، بعد أن كانت احتلت كافة الأراضي التي عرفت بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، الشيخ أبو حسن أبو ناموس كان أحد المواطنين البدو الذين فروا بعائلاتهم من بئر السبع صوب قطاع غزة الذي كان خاضعا آنذاك للحكم المصري، حيث سكن أرضا شرق القطاع، كان يأمل أبو حسن مثل باقي أبناء فلسطين الذين هجروا من ديارهم أن يجدوا لأبنائهم ملاذا آمنا بعد الجرائم التي ارتكبتها بحقهم عصابات الاحتلال الصهيوني، فاستقر به المقام حيث وصل وبدأ بممارسة مهنة الرعي حيث أنجب في قطاع غزة خمسة من الأبناء.
كغيرها من الأطفال خرجت كفاية أبو ناموس وكانت آنذاك تبلغ من العمر 5 سنوات، واتجهت صوب منطقة في حي الزيتون تبعد كيلومترين عن مكان سكناها، كفاية خرجت في ظروف غير طبيعية لتمارس فن اللعب وهو الحياة الطبيعية لكل طفل في هذا العالم فبدأت تجمع وهي ورفاقها بعضا من الأدوات القديمة والمكسرة لتبني منها منزلا وهميا يلعبون فيه، لكن عبوة ناسفة انفجرت بين ذراعيها حطمت هذه اللعبة وقطعت يدي كفاية وقبل كل ذلك مزقت براءة طفولتها وسلبتها ما تبقى لها من سني عمرها.
إعاقة بلا ذنب
“إنسان أون لاين” زارت الحاجة كفاية في منزلها الكلاسيكي قديم البناء الذي يتوسط أرضا خضراء تصل مساحتها إلى 5 دونمات طيبة الهواء والمحيا، والواقع في حي المنصورة ذي الطابع الزراعي والهواء النقي شرق منطقة الشجاعية.
تقول كفاية عن يوم إصابتها: “أذكر جيدا ذلك اليوم الذي قلب حياتي كلها رأسا على عقب بعد إصابتي سقطت مغشيا عليَّ، وكانت معي وقتها أختي الصغيرة فجرت مسافة كيلومترين لتخبر أهلي أني أصبت، ليحضر زوج أختي الكبرى ويحملني إلى مستشفى الأهلي الواقع وسط مدينة غزة سيرا على الأقدام بسبب عدم وجود سيارات، لأصل المستشفى كما أخبرت بعد نحو 4 ساعات من الإصابة وهو ما فاقم الحالة الصحية لي”.
وهنا تدخلت والدتها الحاجة أم حسن -وهي سيدة تجاوزت عقدها السابع، بالكاد تتذكر بعض ما جرى في ذلك اليوم- لتقول: “أذكر يومها أن الأطباء قالوا ابنتكم ميئوس من حالتها فقد قطعت القنبلة يديها إلى ما فوق الأكواع، وطيرت جزءا من ذقنها وأحدثت تشوهات بالغة في وجهها، كما أنها نزفت بشدة والأمل في بقائها على قيد الحياة بيد الله فقط”.
لكن مشيئة الله تدخلت، وأنقذت الطفلة كفاية من براثن الموت المبكر لتخرج بعدها تواجه مصيرها وسط عالم لا يعرف كيف يراعي ظروف المعاقين أو يتفهم احتياجاتهم.
حول ذلك تقول كفاية: “بعد خروجي من المستشفى تعبت في التأقلم مع وضعي الجديد؛ فيداي عاشتا معي طوال 5 سنوات لا أدري كيف يمكنني أن أعيش بدونهما، كما أنني حاولت جاهدة أن أعتمد على نفسي، لكن الوضع كان أصعب بالنسبة لي بعد ذهابي للمدرسة، وقتها بدأ الأطفال ينظرون إليَّ باستغراب شديد، ولم يحاولوا تكوين صداقة معي، وهو ما أثر كثيرا على نفسيتي وأرهقني بشدة”.
وتابعت: “الوحيدة التي تمكنت تفهم احتياجاتي ووضعي هي ناظرة المدرسة وكان اسمها زكية الريس حيث عملت لي دروسا خاصة في مكتبها وعلمتني كافة المواد الدراسية التي كان يتعلمها الأطفال في الفصل، وتعلمت الكتابة وحدي ولكني بطريقة ابتكرتها أنا لنفسي ويسرها الله لي، وتلقيت تشجيعا من كافة المحيطين بي إلى أن حصلت على درجات عالية وهو ما حسن من نفسيتي كثيرا”.
لكن طريق الطفلة كفاية لم يكن معبدا، بل كان مليئا بالحفر والمطبات والمشقات إلى أن اجتازت الثانوية العامة؛ إذ تقول: “لم تكن حياتي في تلك المراحل سهلة، فقد كنت في كل عام أنتقل إلى مدرسة جديدة لتثار حولي التساؤلات وأعود لأواجه طلابا وطالبات جددا لا يعلمون عن حالتي شيئا فأصاب بحالة نفسية سيئة، ثم أعود لأنهض من جديد، فرسالتي لنفسي أصبحت أنني يجب أن أعيش وأنجح وأحقق ذاتي مهما كانت الظروف”.
التدريس هوايتي
وتابعت كفاية دراستها إلى أن حصلت على بكالوريوس في أصول الدين، كانت كما أخبرتنا ترغب في دراسة مادة الرياضيات التي كانت متفوقة فيها إلا أنها كانت تعتقد أن للتربية الدينية رسالة سامية تؤمن بها كفاية وتسعى لنشرها، كما أن إعاقتها منعتها من ذلك؛ إذ إن هذه المادة تحتاج إلى الكتابة على السبورة بشكل كبير بينما مادة الدين تحتاج إلى ذلك بشكل أقل.
نموذج لابتكارات كفاية أبو ناموس
تقول كفاية: “بعد تخرجي في الجامعة تعلمت في جمعية المعاقين حركيا تطريز الثوب المدني والفلاحي، والرسم على السيراميك والفخار والزجاج، كما أنني أجيد التخطيط وأحاول الاستفادة من هذه المواهب التي منحني الله إياها، وغذتني بها الطبيعة الخلابة التي أعيش فيها والتي أنتجت لدي خيالا واسعا وبحرا من المشاعر أعبر عنها من خلال مشغولاتي اليدوية التي يشهد الجميع بروعتها ومستوى إبداعها ولله الحمد”.
ويعرف الجميع عن كفاية ميلها العاطفي تجاه المعاقين صغار السن؛ فهم من ناحية لم يتجاوزا أزمتهم النفسية الناتجة عن فقدانهم لأحد أركان جسدهم من ناحية، وتشعرهم بالدونية وتجرح مشاعرهم المرهفة من ناحية أخرى، حول ذلك تقول كفاية: “أحاول دوما التقرب من هذه الفئة من المعاقين بشكل خاص لأساعدهم على كسر الحاجز النفسي الذي يفصلهم عن أفراد المجتمع الأسوياء، وأن أقنعهم قبل كل شيء بأنهم ليسوا عالة على المجتمع كما يعتقد الكثيرون بل هم جزء فعال وحيوي منه، وهذا ما يجب أن يثبتوه للآخرين عمليا لا قولا، أبقى أشد من أزرهم وأعلمهم إلى أن يصبح كل فرد منهم صاحب وضع لائق لا يشعر بالخجل والدونية، بل ويواجه المجتمع بنفسية قوية”.
لكن كفاية تميز في المعاملة بين المعاقين والأسوياء إذ تقول: “المعاقون أكثر إنسانية من الأسوياء بالتالي هم الأصلح لحمل القضايا الإنسانية، بالتالي حتى في حياتي العامة أميل للتعامل مع هذه الفئة أكثر من الآخرين”.
اضطهاد المعاقين
وترى كفاية أن المعاق الفلسطيني ما زال مضطهدا؛ إذ تقول: “تقدمت مرارا للحصول على وظيفة إلا أنني كنت أرفض بشكل دائم لأني معاقة، وقد قالوا لي ذلك صراحة ودون خجل، ولمرحلة من الزمن شعرت باليأس لكنني عدت لأطالب بحقي من جديد، خاصة أن قانون المعاق كفل لي ولغيري من المعاقين ذلك”.
وفي نهاية حديثها قالت كفاية في كلمة وجهتها للمعاقين: “الطريق أمامنا طويل جدا، وعليكم بالتحدي والصبر والاستعانة بالله والثقة بأنفسكم، واعلموا أن الإعاقة لا تلغي الطاقة”.
أما كلمتها للمؤسسات العاملة في مجال رعاية المعاقين فهي: “وحدوا جهودكم من أجل الوصول إلى مستوى نستطيع فيه القول بأننا خدمنا المعاق الفلسطيني وقدمنا صورته كما يجب أن تكون”.
هي قصة نجاح عاشتها هذه السيدة الفلسطينية الفاضلة وتسعى لنشرها بين جيل الشباب المعاق والسوي على حد سواء، قصة مأساة عاشت معها منذ طفولتها لكنها أبت إلا أن تجعل من إرادتها سيفا يقطع عنق هذا الغول القادم من بعيد، والذي يصور للمعاق شبحا يوهمه بأن الحياة توقفت هنا.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69370
