على الرغم من الألم والمعاناة، فإن الأمل لا زال موجودا، لن نستسلم للواقع المر، لن ننكسر أمام قسوة الظروف، سنثبت لأنفسنا وللعالم أجمع أننا غير عاجزين، أننا غير زائدين على الحياة، بل إننا قادرون على أن نضيف شيئا جديدا لها، هذا ما تقوله المرأة الفلسطينية التي تعرضت للإعاقة الجسدية، تفاصيل أكثر في هذا التقرير.
لقد عشت في مجتمع لا يتقبل الشخص ذي الاحتياجات الخاصة ولولا الدافع الذاتي الذي حباني الله به للتميز والإبداع، ولولا دفع والدي لي لم أكن لأنجح وأتغلب على هذا الواقع، هذا هو ما قالته لنا نعمة أبو عيدة (51 عاما)، والتي تعمل الآن مدرسة في مركز النور لتأهيل المعاقين بصريا.
نعمة التي فقدت بصرها وعمرها أربعة أشهر، والتي تمثل قدوة يجب أن يقتدي بها كل من واجه شظف الحياة وقسوتها، درست المرحلة الابتدائية في المركز الذي تعمل فيه الآن، أما المرحلة الإعدادية فقد أنهتها في مدرسة الرمال، أما الثانوية فتوزعت بين مدرستي الزهراء والفالوجا، وبعد نجاحها في الثانوية العامة قبلت للدراسة في كلية الآداب في القاهرة.
سأشرب من رأس العين
نعمة تروي لنا قصتها التي تدرس الآن في إحدى المساقات بالجامعة الإسلامية بغزة، فتقول: لقد كنت أنا وأمثالي في المرحلة الإعدادية من المتفوقين وقد كنا نعامل معاملة عكسية من بعض الطالبات، حيث كان ينظر إلينا أننا سنأخذ مكانهن، لقد كنا في كثير من الأحيان نعرف الإجابة على أسئلة تطرحها المدرسات، ومع ذلك نرفض أن نجيب خشية أن نتعرض للمضايقات من الطالبات الأخريات، وخاصة أننا كنا بحاجة إلى من يساعدنا، لذلك كنا نؤثر ألا نجيب حتى نبقي على علاقتنا بهن، إذ أننا بحاجة لهن، لقد أثبتنا أنفسنا رغم عدو وجود وسائل الدراسة الخاصة بالكفيف.
وتضيف: نجحت في الثانوية العامة وقبلت في كلية آداب القاهرة فذهبت إلى هناك، وقد كان لي أقارب هناك فواجهت في بداية الأمر بعض المشاكل، وطلبوا مني أن أنقل إلى تربية الأزهر حتى أكون إلى جانبهم فأحظى بمساعدتهم ورعايتهم لي، فرفضت وقلت لهم “إما أن أشرب من رأس العين أو أظل عطشانة”، وذلك لأن كلية القاهرة كانت في ذلك الوقت أقوى من تربية الأزهر وتقبل مجموعا أعلى.
وتمضي نعمة قائلة: ظهر بعد ذلك تحد من نوع آخر، وهو التكيف مع مجموعة من الطالبات يختلفن في سلوكهن وتفكيرهن، إذ إنهن من بيئات مختلفة، لكني قررت أن أتجاوز هذه العقبة، حيث إنه يقال عني إنني “اجتماعية، أحب وانحب”، لذلك نجحت في تكوين علاقات صداقة مع العديد من الطالبات، وخاصة اللواتي كن معي في السكن.
وفي الجامعة قررت أيضا أن أتمرد على الواقع الذي أعيشه، فذهبت إلى الجامعة وفي أول يوم جلست في غرفة الاستقبال فوجدت سجائر كانت رائحتها تنبعث من كل مكان، فعدت إلى البيت وأنا متضايقة جدا، وبدأت حالة من الصراع الداخلي، هل أعود إلى غزة، هل أقبل بعرض أقاربي في مصر، لقد كنت في دوامة قوية، إلا أنني قررت أن أتغلب على هذه العقبة أيضا، فذهبت إلى الجامعة في اليوم التالي وجلست إلى جوار إحدى الطالبات فأمسكت بيدها وعرفتها على نفسي ثم تعرفت عليها وتعرفت على العديد من الطالبات والطلاب من فلسطين ومن دول عربية أخرى.
البحث عن عمل
وعن يوميات الدراسة في القاهرة، تقول نعمة: في اليوم الأول لم يكن هناك منهج محدد بعد، وكان المحاضر يسأل أسئلة عامة، وكنت أجيب على هذه الأسئلة، فأعجب بعلمي وجرأتي، لقد كانت أياما جميلة رغم صعوبتها، فذهابي وعودتي من الجامعة كان قصة بحد ذاتها، حيث كنت أعتمد على بعض الزميلات في ذلك، ومع أن المرء قد يتعرض للمعاكسات من بعض الشباب، إلا أن الله _سبحانه وتعالى_ كان معي لأن اعتمادي كان عليه.
“كلما كبرنا كبر الهم معنا”، هذا ما قالته نعمة، فبعد أن أنهت الدراسة الجامعية وعادت إلى أرض الوطن جاء دور البحث عن عمل، ليس العمل من أجل العمل، إنما العمل لإثبات الذات، بعد بحث طويل لم تنجح في الحصول على وظيفة، حتى عندما أتيحت لها فرصة الحصول على وظيفة في المركز الذي درست فيه أولى المراحل الدراسية رفضت، وتبرر نعمة هذا الرفض قائلة: رفضت لأنني أعلم أن هناك غيري ممن يعانون معاناتها (مكفوفين) من الرجال بحاجة إلى هذه الفرصة أكثر مني بحكم أن لديهم أسر واجبهم الإنفاق عليها.
وتضيف: استمر هذا الحال وأنا بدون عمل إلى أن قابلني أحد زملاء الدراسة فعرض علي أن التحق بدبلوم تربية، وبعد تفكير وافقت على ذلك والتحقت بدبلوم التربية في الجامعة الإسلامية، وبعد ذلك عملت متطوعة في مركز النور لتأهيل المعاقين بصريا ثم أكرمني الله بوظيفة فيه، حيث أعمل فيه مدرسة لغة عربية.
“المهم أن تشعر أنك ترسم ابتسامة على أفواه ذوي الاحتياجات الخاصة، تمسح دمعة عن عيون محزونين”.. بهذه الكلمات أنهت نعمة حديثها معنا، لقد انتهى لقاؤنا معها، إلا أن تقديرنا لها وتعلمنا منها لن ينتهي.
اكتشفي مواهبك
صابرين عوض النجار (26عاما) فتاة فلسطينية رفضت الاستسلام للإعاقة، عندما زرناها في مكان وجدناها منهمكة في القراءة، رافضة أن تضيع أي لحظة من عمرها دون أن تستغلها في ما يعود عليا بالنفع. تقول صابرين “المشكلة عندي في قدمي اليمنى، وبعد أن زادت المشكلة في قدمي اتضح أنه يوجد في الفخذ عظمة ضعيفة فأجريت فحوصات حتى أعرف السبب، ولكن قبل إكمال الفحوصات تبين أن فيها كسرا فتم تجبيسها وبعد رفعه انكسرت مرة أخرى فكنت أسير على عكاز، إلا أن المشاكل تضاعفت بعد الكسر الثاني، مما دفعني لترك الدراسة من الصف التاسع، ثم تبين بعد إجراء فحوصات متعددة أن فيها ورم سرطاني، وقد كانت في تلك الفترة أحداث الحرم الإبراهيمي، فلم أتمكن من الذهاب إلى (إسرائيل) للعلاج، فذهبت إلى مصر وبدأت في مرحلة العلاج الكيماوي ثم جلسات الكهرباء والتي امتدت من 94 _ 96 إلى أن خف الورم، ثم أجريت فحوصات وتبين انتهاء الورم، ثم اتضح أن هناك قصر في الرجل اليمنى قدره 5 سم.
صابرين تقبلت ذلك بصدر رحب كما تقبلت من قبل رحلتها الطويل المرض، وقدر لنا أن نرى بعضا من عملها، والذي شمل التطريز مثل (آيات قرآنية، خريطة فلسطين)، والرسم على السيراميك والفخار، بالإضافة إلى عمل التريكو على ماكينة الصوف، وهي تعمل الآن في كشك يعرض الأعمال التي تنتجها الفتيات في الجمعية الفلسطينية لتأهيل المعاقين.
وتقول صابرين: الحمد لله لقد تغلبت على هذا الواقع، فالراحة النفسية مهمة جدا في استقبال العلاج، مضيفة “أنا لا أشعر أن عندي إعاقة أبدا، لقد وجدت نفسي في التطريز. الانطواء غير صحيح، يجب على الفتاة المعاقة أن تتغلب على إعاقتها، فلو أنها جلست في بيتها فإنها لن تستفيد من نفسها ولن يستفيد منها المجتمع، فهناك العديد من الجمعيات والمؤسسات التي من الممكن أن تنمي مواهبه، فكل إنسان مهما كان وضعه الصحي لديه مواهب خاصة تميزه عن غيره وعليه أن يكتشفها وينميها”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69373
