هبة المصري.. تنسج بأناملها الأمل من لوحات السيراميك

هبة المصري، فتاة فلسطينية في عشرينيات عمرها،تحدت ظروف عيشها الأليمة فاحترفت
أناملها التطريز، بالإضافة إلى الرسم على الزجاج والفخار والسيراميك لصنع أبهى
اللوحات الفنية للمساهمة في علاج أبيها وشقيقيها .
تتراوح أحلام الفتاة أينما كانت بين استكمال دراستها الجامعية، والعثور على
فارس الأحلام الذي ينقلها إلى عالم آخر من الأمن والاستقرار والسعادة ، وتتميز
الفتاة الفلسطينية عن غيرها من الفتيات بحكم الظروف الاجتماعية الاقتصادية
والسياسية التي تعايشها، الأحلام لديها مبتورة تنبض بالألم، لكن اليأس أبداً لا
ينسل إلى قلبها وخبايا نفسها، تتحدى ظروف عيشها الأليمة تثابر تجد وتصبر وتوظف ما
لديها من إمكانيات بسيطة لتحصل على ما تريد وتحقق ما حلمت به على كافة الأصعدة
.
هبة المصري ، فتاة فلسطينية في عشرينيات عمرها، نسجت من بياض أحلامها بحراً من
دموع وألم، تلاطمه أمواج الأمل بالمستقبل الآتي ما دام الطموح معتمل بعقلها تتخذ
خطوات فعلية للوصول إليه بمساعدة من حولها وتشجيعهم لها.
ظروفها الاقتصادية الصعبة في ظل عدد أسرتها الكبير واحتياجاتها المتفاوتة بين
ضروريات الحياة من سلال غذائية بسيطة وأدوية وعلاجات للأب المريض والشقيقين
المعاقين أجبرتها على تحمل المسئولية في إعالة الأسرة، وكيف لا وهي البكر لوالديها،
خبراتها العلمية لم تكن كافية لتحظى بفرصة عمل مناسبة تؤمن لها دخلاً شهرياً يعينها
في تفاصيل حياتها فهي لم تنهي دراستها الجامعية فقط تحمل شهادة الثانوية العامة
بالإضافة إلى بعض دورات تأهيل المعاقين بإحدى الجمعيات المهتمة بالشأن، لكن الله
الكريم عوضها بموهبة العمل اليدوي ، فأناملها احترفت التطريز، بالإضافة إلى الرسم
على الزجاج والفخار والسيراميك لصنع أبهى اللوحات الفنية التي تضاهي في جمالها
وروعة تصميمها ودقة تفاصيلها لوحات لأكبر فناني فلسطين في الفن التشكيلي.

“لم أملك علماً لكني ملكت موهبةً ساعدتني في تحدي فقر أسرتي وتوفير بعض
احتياجاتها الأساسية إلى جانب الدعم المادي الذي يقدمه لنا شقيق أمي المغترب بإحدى
دول الخليج” هكذا بدأت هبة حديثها معنا ، وتستمر في سرد تفاصيل رحلتها مع تحدي
الفقر بما لديها من إمكانيات ذاتية تتمثل في موهبة أودعها الله بها وحاولت تنميتها
بالعديد من الدورات الأنشطة، تتفتح زهرات أحلامها على وجهها وترسم ابتسامة حزينة
فالأحلام لديها دوماً مؤجلة لكنها ليست مستحيلة، فلم تتمكن من استكمال تفاصيل
دراستها الجامعية والسبب العجز المادي لدى أسرتها بعد تقاعد والدها عن العمل إثر
علة في جسده،تقول المصري :” حاولت الاستعاضة عن التعليم الجامعي بالخبرات عبر
الانتساب للدورات خاصة في مجال تأهيل المعاقين نظراً لوجود شقيقين معاقين في الأسرة
وبعدها استطاعت الحصول على فرصة عمل براتب ضئيل لا يتجاوز المائة دولار (الدولار =
4 شواقل) عليها أن توفر خلالها احتياجات ثلاثة عشر فرداً بينهم ثلاثة يحتاجون رعاية
خاصة، تحملت لكن سوء الأوضاع الاقتصادية اضطرت الجمعية التي تعمل بها إلى الاستغناء
عن خدمات الكثير من العاملين فيها ” ، تهيم على وجهها وتنتابها لحظات صمت ما تلبث
أن تستكمل :” لم أجد بداً من البحث مجدداً عن فرصة عمل أخرى وفي ظل عدم وجودها
اتجهت لمكنونات ذاتي وموهبتي التي امتلكتها منذ الصغر فكرت ملياً في استغلاها
لإزالة دمعة أمي وتأمين لقمة العيش لأسرتي التي عجز والدي المريض عن توفيرها بعد
تقاعده عن العمل ومرضه “.

بداية الرحلة مع الفن اليدوي
اصطحبتنا إلى غرفتها لم تتجاوز مساحتها الخمسة أمتار لكنها مكتظة ليس بالأثاث
الفاخر بل بالأعمال الفنية التي صنعتها بأناملها وضمنت فيها بريق أحلامها بمستقبل
يزهر لها ورداً وفلاً ورياحين.
ما إن تأسر بصرك إحدى القطع حتى تنشغل بأخرى تختلف في الهيئة والمواد المستخدمة
والملامح التي تحملها، فهذه بعضاً من اللوحات ضمنتها قالب الفخار المصنوع مسبقاً،
مشيرة إلى أنها تقوم بشراء أشكال الفخار التي تريد وفقاً لطلب الزبائن ومن ثّم تقوم
بتزينها بالرسم أو النقش المطرز عليها ما يضفي لها رونقاً جمالياً يبهر الناظرين
ويسر النفوس، وعلى الجانب الآخر تجدها قد قامت بتطريز ساعة غاية في الجمال ضمنتها
رسوماً وأشكالاً بألوان متناسقة متجانسة بالإضافة إلى باقات الأزهار التي تتناغم
ألوانها وأشكال زهرات المجففة غالباً فتعطي إحياءً بالحياة بعد الذبول.
عن بداية رحلتها تقول أنها بدأت الاعتماد على موهبتها في الفن اليدوي لسد رمق
أشقائها الصغار وتلبية احتياجات أسرتها الكبيرة العدد المحدودة الإمكانيات منذ
عامين على الأكثر عندما ضاقت بها وأسرتها سبل العيش وكانت أولى الخطوات في مركز دعم
وتأهيل المرأة الفلسطينية بمخيم الشاطئ حيث عملت على صقل موهبتها بالتدريب العملي
ومن هناك بدأت تعد اللوحات المختلفة بأناملها التي اعتادت على العمل دون كلل أو
ملل، وتستطرد :” كانت البداية بتسويق منتجاتي من خلال المركز لكني اليوم أعمد إلى
صنع المشغولات للزبائن من داخل منزلي ” ، وتلفت هبة إلى أنها في ساعات الصباح تنهل
من المدربات المزيد من الخبرات وتعمد إلى تطبيقها بإضافات من صنع عقلها تضفي عليها
جمالاً فوق جمالها فتبهر معلماتها ويزدن من تشجيعهن لها ودعمها للاستمرار والمضي في
العمل وفي ساعات المساء تنشغل بتجهيز أعمال كان أحد الزبائن قد طلبها منها قبل أيام
قليلة من سفره إلى أقاربه حيث تشير أن أعمالها هدية مميزة ينتقيها أهل غزة لمن
يحبون من أقاربهم خارج فلسطين، تزيد نبرة صوتها فرحاً وفخراً وتقول :” هذا يدعمني
لأن أتقن أعمالي أكثر وأتفنن في إبراز ملامح الجمال حتى لو كانت صماء كفاخورة صغيرة
لا تتجاوز سينتيمرات معدودة فأحولها إلى لوحة غاية في الجمال والروعة.

صعوبات وأحلام

على الرغم من إبداع لوحاتها الجمالية وإقبال الزبائن عليها إلا أن صعوبات تعترض
طريقها أحدها وأكثرها ضرراً نقص المواد الخام بفعل إغلاق المعابر لفترات طويلة
الأمر الذي يعيقها عن تسليم بعض المشغولات في موعدها المحدد ويثمر خسارة إذا ما
اضطر أحد الزبائن إلى استبدالها بأخرى جاهزة، بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية
الصعبة التي تلقي بظلها الثقيل على الفلسطينيين جميعاً فكثير من الزبائن يتأخرون في
تسديد ثمن الأعمال التي يطلبونها بفعل تأخر رواتبهم أو أنهم أحياناً يقومون بتجزئة
الأجر فلا تشعر بحلاوة مذاقه كاملاً لكنها لا تبالي إذا ما استطعت توفير احتياجات
أسرتها التي لم تبخل عليها يوماً بالدعم.
أما أحلامها فلا تتسع لها أرض الدنيا ولا سمائها تحلم يوماً بأن تبتسم لها
الدنيا تهديها الأيام مزيداً من الأمل لا الإحباط لتستكمل مشوارها الذي بدأته ونجحت
من خلاله مساعدة أسرتها في تحدي ظروف الفقر والحاجة التي ألمت بها، وطموحها الأكبر
أن تنقل مشغلها من غرفتها الصغيرة إلى مشغلاً آخر أكبر وأشمل تستطيع أن تضمنه كافة
أعمالها وتعرضها بأسلوب رائع يحقق لها إقبالاً من الزبائن على الشراء لا الانبهار
والإعجاب فقط لتحول أحلامها وأسرتها إلى حقيقة تحيا تفاصيلها واقعاً ملموساً.