أم سامر.. من صناعة القش نسجت عائلة

أم سامر وهي تشكل بالصواني

لم تتوان الحاجة سعدة عودة القاق، من قرية كفر حارس قضاء مدينة سلفيت عن العمل في صناعة القش رغم دخولها العقد الخامس من عمرها.
 
عشرون عاما مضت وهي تحيك صواني القش وتغزل بسنابل القمح قصتها وتضحياتها، تخيط منها قوت يومها وقوت عائلتها المكونة من 15 فردا تخطت معهم صعاب عديدة وكبرت معها أحلامها برؤية أبنائها بقربها.
 
ورغم مضي كل تلك السنوات ما زالت أم سامر القاق تدنو من سنابل القمح تراقب طولها ولونها لحين قطفها.. فتنتظر شمس حزيران لتراقب قطعة الأرض التي تزرعها لتبدأ مع أشعة الشمس بالحصاد.
 
مصدر رزق
تسرد أم سامر القاق لـ"نافذة الخير" الظروف التي عاشتها حتى باتت صناعة القش مهنتها الرئيسية لإعالة أسرتها.
 
تقول أم سامر :"الظروف كانت أقوى مني والأيام اجتمعت علي، لقد توفي والدي وأنا طفلة صغيرة ولم أكمل الأربعة أعوام، وكانت أختي تصغرني بسنتين، فتربيت أنا مع عائلة عمي وأختي سافرت مع عمي الآخر إلى الكويت وكبرت هناك وما زالت تقطن في الكويت".
 
وبينما تلاعب أصابعها بعضا من سنابل القمح، تضيف :"عند بلوغي 17 عاما تزوجت ابن عمي.. كانت ظروفنا صعبة للغاية ولم تكن هناك مهنة يعمل بها زوجي وقد تعلمت من حماتي صناعة صواني القش وكنت ازرع القمح واصنع من سنابله وأقوم ببيعها ومساعدة زوجي بالمعيشة، حيث كان عمله يقتصر على الفلاحة والأرض ولم يكن الدخل يكفي العائلة".
 
تتابع أم سامر حديثها، وهي تشرح لنا بداية صناعة صينية القش حيث العقدة وهي بداية العمل :"من صناعة القش كنت أوفر مصروف لبيتي ولعائلتي وما زلت أقوم بذلك، ومن القش درستهم بالمدرسة ووفرت لهم مصروفهم، واصنع بالشهر قرابة العشرين صينية تختلف أحجامها واستخداماتها".
 
وبينما هي تستمر في لف أطواق الصنية الواحد تلو الآخر، تقول :"نزرع القمح بأيدينا وأراقبه حتى يطول ويخضر، ونعتني به حتى يصير لونه اصفر نحصده ونأخذ منه السيقان لنصنع منها الصواني".
 
وعن كيفية تشكيلة دون ان يتكسر، توضح أم سامر أنها تقوم بتلينه بوضعه بالماء لمدة ثلاثة أيام بعدها تقوم بلفه بالخيش او ما يطلق عليه الملف، وتبدأ عملية صبغه من اجل تلوين الصواني بألوان مختلفة، بعدها تبدأ باستخدام المخرز بصناعة الصواني واختيار الشكل المناسب والألوان.
 
وتطلق أم سامر أسماء مختلفة على منتوجاتها منها؛ سيوف ..وشاح.. والدقة الدرزية.. ودرج الحاكمن وسربات.
 
ذكريات أليمة
وبينما يتوشح وجهها بخيوط شقاء السنين، تكمل أم سامر قصتها، بالقول :"لم اعمل فقط في صناعة القش بل أيضا عملت لـ12 عاما عاملة خدمات في الهلال الأحمر وقبلها عملت سنتين أيضا عاملة خدمات بأحد مراكز القرية الصحية، وكنت أتقاضى شيء بسيط جدا مقابل عملي ولكن بعد كل هذا العمر لم اعد قادرة على المواصلة في هذا العمل خاصة أنني في آخر فترة تعرضت لمضايقات وكرامتي لم تسمح لي بالاستمرار.
 
وتضيف :"آثرت على العمل من منزلي، فاليوم أقوم بزراعة بستان المنزل بالخضار ومستلزمات البيت والقمح من اجل صناعة الصواني، واملك ارض قامت الإغاثة الزراعية بتزويدنا بأشجار مثمرة من اجل زراعتها".
 
تجاعيد وجهها وأقدامها تشهد لها بتعب العمر الذي قضته أم سامر بين أرضها ومنزلها وعملها، تتذكر بعض المواقف الصعبة التي أصابت عائلتها فتقول :"لا زلت أتذكر ذاك اليوم الذي استشهد فيه أخي حسن وكان عمره 16 عاما كان يحبني جدا ودائما يزورني وهو بسن ابني، لم يقبل ان يخرج هوية له لأنها ستكون هوية إسرائيلية ومن اجله لم أقم بعمل وبإخراج هوية لي حتى سن 42 عاما عندما قدمت السلطة ولكني لم اقبل أن تكون لدي هوية من اجله وبقيت البس الحداد عليه لخمس سنوات".
 
تنسدل دمعة على خدها، وتتابع سرد ذكرياتها الأليمة فتقول :" أتذكر ذلك اليوم ونحن نشاهد هدم منزلنا الذي كان يأوينا عام 1989 بحجة أن ابن عمي كان احد المناضلين بالانتفاضة الأولى، عندما هدمت قوات الاحتلال المنزل أمام أعيننا وسال الزيت الذي قمنا بتخزينه بالشارع على أغراضنا وكل ما نملكه".
 
تتمتم قليلا وتقول :"هذه مواقف لا أنساها طالما حييت والظروف التي عشناها بقساوتها وبعد سنين طويلة قمنا بناء منزل مكان الذي تم هدمه وأنا اليوم أعيش فيه ويعيش ابني".
 
إصرار على النجاح

جانب مما تصنعه ام سامر

وتصنع أم سامر قرابة 20 صينية من القش في الشهر، وعن اسباب حبها لهذه المهنة تقول :" أتعامل مع كل صينية كأنها ولد من أولادي وأناديها به، أتذكر الأيام الماضية وأقول أنها أفضل من اليوم رغم شقاءها وتعبها ولكن هذا التعب له طعم آخر، وقد وجدته بأبنائي وأحفادي عندما يجتمعون من حولي وأقوم بصناعة الخبز لهم بالطابون، عندها لا اشعر بكل تلك السنين التي مضت".
 
وتضيف "مع كل ذلك تعيش الأسرة ظروفا معيشية صعبة ولا يستطيع أبنائي إكمال تعليمهم الجامعي، حيث يعمل الأب منذ تسع سنوات في البلدية كسباك ويتقاضى راتب قليل لا يكفي لسد احتياجات العائلة".
 
 
تتزين الجدران من حولها بالصواني والعقود وبقربها العديد من القبع التي تستخدم من اجل الخبز، تتلقفها وهي تحاول الوقوف إلى أن الالآم قد بدت عليها مشيرة " لم اعد كالسابق، فالتعب قد أنهك جسدي أعاني من أوجاع في منطقة الظهر وأتناول علاج للضغط، والحمد لله على كل شيء".
 
وتبدي أم سامر احتياجها إلى سوق من اجل تسويق عملها وصناعتها وتوفير المكان لذلك، وأكدت على أهمية توريث تلك الصناعات التقليدية إلى الأجيال القادمة.