عُلا وسيد.. من رحم الإعاقة صنعوا الحياة

علا تعرض مشغولاتها اليدوية

بعد جولاتٍ من الإقناع وترددٍ مصحوب بخجلٍ كبير قبلت "علا اسكافي" التقاط عدة صور وتصوير مقطع من الفيديو أثناء عملها لبعض القطع الفنية.
 
وبينما كانت "نافذة الخير" تلتقط لها بعضا من الصور تحولق حولها العديد من الفتيات وعلامات الدهشة والاستغراب لا تفارق وجوههن؟ فكيف لفتاةٍ "معاقة" تصنع بأناملها الصغيرة المرتجفة تحفاً فنية خلابة يعجز عنها الكثير من الأصحاء.
 
"علا سكافي" فتاة لم تتجاوز الخامسة عشر ربيعاً، تعاني من إعاقة جسدية وذهنية منذ ولادتها، فمنعتها من الانخراط في المجتمع والاستيعاب كباقي أقرانها، فتقوقعت داخل نفسها وباتت ضحية للانطواء والاكتئاب.
 
وازدادت نفسيتها سوءاً بعد نضوجها وتفتحها على العالم الخارجي، واستيعابها أنها مختلفة عن البقية، ولا تشبههم سواء في التفكير أو الشكل فلم تعد تتقبل الآخرين، ودخلت في نوبة من الصمت والحزن الشديدين.
 
أهدوني الحياة

الطفلة علا أثناء ممارستها لعملها

وبعد أن قطعت شوطاً كبيراً في العلاج، والتأهيل النفسي، أثبتت لنفسها، ولكل من حولها أنها قادرة على الحياة، وتملك من الطموح ما لم يملكه الكثير من الأسوياء، وأصحاب الأذهان المتقدة، فكسرت حاجز الإعاقة، والانطواء وطرقت باب الإبداع بالأشغال اليدوية والتحف المنزلية.
 
وبحروف مرتبكة قالت علا لـ" نافذة الخير" عن تفاصيل حكايتها :"قبل عامين كنت إنسانه مختلفه عما أنا عليه الآن.. لم أكن اخرج من المنزل إلا قليلاً واخجل من نظرات الناس والمتطفلين منهم.. وأنزوي في غرفتي ولا أتزحزح منها"، واستدركت: "ولكن بعد التحاقي بجمعية مبرة الرحمة أهدوني الحياة.. وأزهر الربيع في قلبي فتغيرت حياتي وانقلبت رأساً على عقب".
 
وبنبرات الفرح تابعت :"وبعد عدة أسابيع دب الأمل والتفاؤل في روحي وأصبحت علا أخرى غير الأولى المصابة بحمى الحزن والاكتئاب والانطواء.. ومارست العديد من الأنشطة وتعلمت صناعة التحف المنزلية وتلوينها وتزينها بالحبوب والأشكال المختلفة".
 
وتشير علا إلى أن عملها بالتحف الفنية، ومشاركتها بالجمعية أضفى على روحها الكثير من الحيوية والبهجة، وكسر من حدة الجمود والروتين في حياتها، فأصبحت فعالة ومُنتجة ولا تكترث لنظرات الآخرين وهمساتهم.
 
وغمرني الدفء

علا تفخر بما تصنعه يداها

 والأمل يقطر من صوتها مضت تقول :"وبعد اتقاني لصناعة التحف اشتركت بالعديد من المعارض والمهرجانات الخيرية، وبعت الكثير من أعمالي الفنية.. وعندما يتساءل الناس عن صانعها يُشار لي بالبنان فأتلقى نظرات الإعجاب والتصفيق الحار من الجميع".
 
وهي تشير إلى أعمالها تابعت :"عندما أنجز أحدها وأنتهي منه تماماً يغمرني الدفء والراحة والسكينة وأنام الليل ملأ جفوني.. فرغم إعاقتي وعجزي ما زلت قادرة على العطاء وزرع الابتسامة في قلوب الآخرين".
 
وتفتخر علا أنه رغم سنوات عمرها الصغيرة إلا أنها قادرة على تلبية احتياجاتها بنفسها، ولا تأخذ مصروفها من والديها بل تساعدهم أحياناً في متطلبات المنزل واحتياجاته على عكس أخوتها الأصحاء والأكبر منها سناً والأقوى جسداً.
 
وعن رسالتها لذوي الاحتياجات الخاصة قالت بثقة :"أتمنى منهم أن يفجروا ينابيع الطموح في أجسادهم العاجزة.. ويبنوا جسروا من الأحلام لحياتهم.. ويتحدوا الإعاقة ويتحروا من قضبانها فهم المنتصرون بالنهاية..", والقوة لا تفارق صوتها أضافت: "وليثبتوا للعالم أجمع أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يختلفوا كثيراً عن الأصحاء بل هم قادرون على العطاء أكثرهم منهم".
 
المستقبل ينتظرني

الطفل سيد في المشغل

وعلى مقربةٍ من "علا" كان الطفل "سيد الدهدار" صاحب الأربعة عشر ربيعاً منغمساً بعمل سلال من الخيزران، محركاً أصابعه الصغيرة بإتقانٍ ومهارة أدهشت من حوله.
 
وهو يضع لمساته الأخيرة على آخر سلاله اقتربنا منه قليلاً وسألناه ماذا تفعل؟، فأجاب بحروفٍ متلعثمة وقال لـ" نافذة الخير": "أصنع سلال الورود من الخيزران، وأشارك في صنع الكراسي وأطقم الكنب".
 
استدرك قليلا ثم أضاف :"هذه مهنتي التي تعلمتها من جمعية مبرة الرحمة التي التحقت بها منذ أربع سنواتٍ مضت".
 
وبدأ "سيد" مشواره المهني في جمعية مبرة الرحمة الخيرية في مدينة غزة منذ عدة سنوات، تعلم خلالها صناعة كراسي الخيرزان وأطقم الكنب والمكتبات، ويعتبر سيد من العاملين المهرة في الجمعية بالرغم من صغر سنه وإعاقته الذهنية التي يعاني منها منذ ولادته.
 
وعن طموحاته وأحلامه، قال سيد: "بعد أن أتقنت هذه الحرفة الجميلة، شعرت بان المستقبل فتح ذراعيه لي وهو بانتظاري.. وسأبذل كل جهدي خلال السنوات القليلة القادمة بأن امتلك ورشة لا بل مصنعا خاصا بي وأكون صاحبه وسيده لأتفنن بصناعة وتشكيل الخيرزان كما أشاء..".
 
وبابتسامة خافتة تابع :"وبعدها سأصبح جاهز لتكوين أسرة وإنجاب أطفال.. وصناعة حياة سعيدة هانئة أفتخر بها".
 
شاهد فيديو علا وسيد