الفنان رشيد عنبر
ينظـرّ بأسى إلى حجـم الدمار الهائل الذي أحدّثته الحرب الإسرائيلية البشعة على غـزة قبل عام ويهـاله المشهد الدامع ومـوت الأشجار الشامخة ووقوعها أرضـاً.. غيـر أن الفنان التشكيلي الفلسطيني "رشيد عنبـر" وجـد في مقـولة "من رحـم الألم يُولد الإبداع" خير حكمـة لتحويل حروف هذا الواقع إلى إبداع فني.
يقول في حديثه لـ"نافدة الخير" :"ما شجـعّني للمضي في صناعة النحت والحرف اليدوية ما رأيته من انهيار تام للمحاصيل الزراعية وتقطيع لأشجار الزيتون وأخشاب الشجر الواسع من قبل الاحتلال".
وطبقاً لتقارير إحصائية لوزارة الزراعة في حكـومة غـزة فإن المساحات المجرفـة خلال العدوان الإسرائيلي الأخيـر زادت عن 20 ألف دونـم، وتم اقتـلاع ما يقارب مليون شجرة مثمـرة، وقالت الوزارة إن خسـائر القطـاع الزراعي بلغت نحـو 170 مليون دولار.
مصدر رزق
الفنان عنبر مع مجموعة من ابداعاته الفنية
وبالرغم من اصطدامه بغلاء سعر الأخشاب وعروق الشجر لم يستسلم عنبر واضطر للاستدانة من أحد أصدقاءه ليواصل رحلته ولم يمنعه ذلك من الذهاب إلى الأراضي الحدودية والمغامرة بخطر إطلاق الاحتلال لوابل الرصاص.
ويجد عنبر في الفن التشكيلي والنحت ممراً للعبور وكسر حواجز الوضع المعيشي الصعب لعائلته حيث كبر والده في السن وأصبح عاجزاً عن إعالة الأسرة فبات هو معيلها الوحيد.
ويعترف عنبر أن هذا العمل يحتاج إلى جهدٍ كبير، وتابع بالقول :"عملت في البداية كمتطوع بالمؤسسات التي تعتني بالتراث الفلسطيني وخطوة خطوة بدأت أقدم أعمالي وما أنحته على الخشب وأعبر عن حصار غزة واستطعت مع تنوع أعمالي وتعددها أن أحصل راتب أتمكن من خلاله رسم البسمة على شفاه عائلتي".
ويرى عنبر في الصناعات اليدويـة والحرف تعبيراً عن الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال والخراب والدمار، ومحاولة لإحياء التراث والهوية التي يحاول الاحتلال طمسها.
ويجد عنبر نفسـه ويداه تنحت في خشب أشجار الزيتون إذ يتابع :"من مميزات خشب الزيتون الليونة، وألوانه المتدرجة من الغامض إلى الفاتح، ويتعلق ذلك بمدى قدم الشجرة التي يؤخذ منها الخشب…و كلما تقدمت شجرة الزيتون في العمر، زادت ألوانها عمقا، وظهرت بشكل أوضح، ويطلق على مدى اللون ونوعيته وتدريجاته اسم (الجوهر)، وهو مزيج من تداخل اللون الأسود والأبيض الفاتح ولطبيعة خشب الزيتون المحتوية على مزيجٍ من الفاتح والغامق يُعدُّ الحفر على هذا الخشب من الفنون المحببّة".
تدريب متطوعين
جانب من منتوجات الفنان رشيد عنبر
وللحرف الخشبية يستخدم عنبر عروق الليمون أو الحمضيات بشكل عام لصلابته وقوته إلى جانب صعوبة تفسـخه وتكسيره وعن طريقهم تتم صناعة التحف الجميلة.
وعن أجمل ما قدّمه من أعمالٍ فنية أضاف :" كتابة الآيات القرآنية على الخشب بشكل متناسق، والرسومات التي تعبر عن الحرية بشكل عام وفي أغلب أعمالي أستعين ببعض أعمال الفنان الفلسطيني الراحل " ناجي العلي".
ويطمح عنبر أن يُقدم المزيد من الأعمال الفنية التي تعبر عن معاناة الشعب الفلسطيني من حصار وتشريد وما يعانيه الأسرى داخل السجون من تعذيب ويستدرك :"أتمنى أن تصل رسالتي للعالم وأن يعرف أننا من مخلفات الاحتلال صنعنا إبداعاً ..هم اقتلعوا وحرقوا غصن الزيتون رمز السلام والحرية ونحن لم نستسلم بل قمنا بإحيائه من جديد".
وبعد أن أحب عنبر هذه المهنة وبدأت في فتح أبواب حياة كريمة له ولأسرته بادر إلى تدريب ما وصفهم بـ"فرق الابتكار" وأضاف :" أخذت على عاتقي تدريب الأطفال والأشبال لنرتقي بالفن التشكيلي".
لن أيأس
الفنان عنبر يطلق رسالة تحدي للواقع الصعب
ويفخـر الفنان التشكيلي بتكريمه من العديد من المؤسسات الفلسطينية وترشحيه لأفضل الأعمال الفنية المميزة.
ويحلم عنبر بأن يرسل أعماله إلى الخارج ويستدرك بثقة :" لن أيأس ..سأرسل بعض الأعمال مع أصدقائي المسافرين إلي ألمانيا وغيرها … يجب أن تكون هذه الإبداعات والابتكارات الفلسطينية في كل مكان".
وللوفود الزائرة إلى غزة قدّم عنبر الكثير من الأعمال، ومضى يقول :" هذه رسالة غزة المحاصرة ..قدمت هدية لقافلة شريان الحياة ..والفنانين الذين زاروا غزة فقدمت لهم عدة هدايا ..قدمت للفنان السوري الكبير دريد لحام وجمال سليمان وسوزان نجم الدين …وقد عبروا عن فرحتهم وفخرهم بهذه الأعمال اليدوية الفلسطينية ."
وإلى جانب الفن التشكيلي ولج عنبر عالم الإخراج المسرحي والتدريب الاستعراضي، وقد نال تكريماً من رئيس الحكومة الفلسطينية بغزة "إسماعيل هنية" على دوره في مسرحية الشياطة حيث كانت جميع اللمسات التراثية من أعماله .
وفي ختام حديثه تمنى عنبر عبر نافذة الخير أن يتم دعم الصناعات اليدوية بغزة وكافة أشكال الحرف مشدداً على أنها صورة من صور الصمود الفلسطيني وثباته على أرضـه.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69455
