منذر يجلس في مختبره المتواضع ليبحث عن الجديد في مساعدة المعاقين
وقف "منذر" بقلب "منفطر" يتجرع ألمَ شخصٍ لم يرهُ إلا صدفة في معرضٍ للكتاب في قطاع غزة.. نظرَ إليه ملياً بينما ذلك الشخص كان يجلس على كرسيّ متحرك ويحاول تقليبَ صفحات الكتاب الموجود على الطاولة أمامه، لكنّه لم يستطع، ولم يجد أحداً حوله يسأله مساعدته في ذلك.
فكّر "منذر" ماذا يستطيع أن يقدم لتلك الفئة المصابة بهذا المرض؟! فساقه تفكيره إلى تقديم جهاز "منذر القارئ" لذوي الاحتياجات الخاصة، ليساعدهم في ممارسة جزء من حياتهم العادية ويسهل عليهم عملية قراءة وتصفح الكتب حيث يقلب الجهاز صفحات الكتاب أوتوماتيكياً.
لكن… من هو "منذر" الذي يخترع جهازاً طبياً دون أن يفكر في تكاليفه؟ ويقدمه هديةً إلى تلك الفئة؟ هل هو عالمٌ أم بروفسور أم مخترعٌ كان متفوقاً في دراساته العلمية والنظرية؟
ليس ذلك كله، فمنذر القصاص (31) عاماً، مجرد شاب عادي حصل على شهادة كلية متوسطة في العلوم السياسية، بعد تجربته التي باءت بالفشل في دراسة "الهندسة الميكانيكية" حيث رسب في معظم موادها النظرية، وهذا الفشل كان حليف منذر للمرة الثانية، حيث رسب قبل ذلك في مرحلة الثانوية العامة وبعد دراسة المرحلة مرة أخرى حصل على معدل (52%)!.. وهو ذاته المعدل الذي يحبطُ أيّ طالب أراد أن يكمل مسيرة حياته بنجاح وإرادة، ليعمل بعدها سائقاً لسيارة أجرة.
الحاجة أم الاختراع
الفشل الذي واجهه منذر في حياته الدراسية لم يقف حاجزاً يمنعه من ممارسة موهبته، في إصلاح وتريب الأجهزة الكهربائية، بل قام بتطويرها ذاتيّاً حتى وصل إلى مرحلة اختراع الأجهزة لمساعدة الفئات المحتاجة.
وفي حديثٍ لـ"إنسان أون لاين" قال منذر :"ليس شرطاً أن أكون دارساً للهندسة حتى أبدع، فالإبداع كرم من الله".
وحصل القصاص على جائزة فلسطين الأولى للإبداع والتميز لعام 2008 متفوقاً على من شارك في المسابقة من العلماء والمخترعين الفلسطينيين الكبار.
وأوضح منذر أنه لا يمتلك مختبراً علمياً يعينه على الاختراع ولا تلك المواد التقنية المتطورة التي تسهلّ عليه عمله، مستدركاً:"أملك غرفة صغيرة أعتبرها مختبراً، فهي التي تعينني على الاختراع وتحتويني أثناء محاولات البحث عن أي جديد، خصوصاً وأنني أستخدم المواد البسيطة في اختراع الأجهزة كقطع السيارات، أما المواد التي لا تكون موجودة لديّ أصنعها بنفسي".
كان منذر يستوحي فكرة كلّ مخترع "جديد" من حاجة المريض إليه، فيبذل جهده في اختراع الأجهزة الضرورية التي تساعدهم في ممارسة حياتهم اليومية.
هدية بسيطة
منذر يهدي اختراعاته لذوي الاحتياجات الخاصة
لم يوقف "فقدان" حلم دراسة الهندسة- الذي كان ينمو مع منذر كل سنة- ممارسته هوايته التي يحب، بل شكلت لديه دافعاً ليثبت للجميع أن الموهبة لا تحتاج إلى دراسة بل إلى تطوير ومداومة، وقال:" طورت من جهاز منذر القارئ، ليبدو أصغر حجماً ويمكنه تقليب صفحات الكتاب من خلال تحريك الرأس فقط، وحصل هذا الاختراع على براءة اختراع في وزارة الاقتصاد والعمل الوطني رقم 78، وأطلقتُ عليه اسم "زايد" شكراً لرئيس دولة الإمارات رحمه الله.
ثم طور "منذر" القارئ وأطلق عليه اسم "حمدان"، وواصل تطوير جهاز "زايد" ليمكن المصاب من الجلوس إلى الحاسب واستعماله بواسطة الرأس كتابة وتصفحا واطلاعا، وأطلق عليه اسم "درع زايد".
كما نفذ القصاص جهاز "صدقة" الخاص بالصم والذي يساعدهم على التعايش بسهولة داخل البيت فهو يصدر إشارات لكل الأصوات التي تحدث بالبيت حتى أثناء النوم، حيث يوضع الجهاز داخل الوسادة بحيث إذا نادى على الأصم أحد أثناء نومه أو قرع باب الغرفة تهتز الوسادة تحت رأسه وتوقظه.
ويعقب منذر :"لم ولن أتوقف عن مساعدة الناس واختراع الأجهزة، وأعمل جاهداً على إقناع الجميع بأهمية هذه المخترعات، وأبحث عن مصابين بحاجة إلى مخترعات خاصة بهم وأخترعها فعلاً".
ويضيف، ضارباً مثالاً على ذلك بالقول:"مثلاً هناك معاق لا يعرف كيف يستخدم الملعقة في عملية الأكل، فاخترعت له ملعقة خاصة تساعده على ذلك (..) أغلب مخترعاتي تصب في خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة".
وأكمل منذر:"إن الجميع قرأ عني وعن اختراعاتي، ولكن لم يقدم أحد على دعمي لتطوير مخترعاتي، ولم يفكر أحد في إنشاء مركز أبحاث متطور يساعدنا في عمل التجارب"، موضحاً أنه تقَدّم إلى وزارة الشباب والرياضة و وزارة الصحة بطلب إرسال منح من مخترعاته إلى الدول العربية الشقيقة كـ(مصر-الأردن –الإمارات-السعودية) أو حتى تقديمها للضفة الغربية، كهدية من الشعب الغزي، ومكافأة لما تقدمه الدول العربية من دعم للشعب الفلسطيني.
وزاد على ما سبق :"لنقول للعالم الخارجي إن الشعب الفلسطيني قادر على كسر الحصار بعقله ومخترعاته".
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69639
