عنب الخليل يدافع عن الهوية ويتصدى للاستيطان

العنب جزء من التراث المتوارث في الخليل

"خليلي يا عنب".. عبارة لطالما صدحت بها حناجر التجار والباعة في الأراضي الفلسطينية تعبيرا عن المذاق الخاص الذي يتميز به ما تنتجه مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية من أصناف متعددة من العنب، ففي مثل هذه الأيام من كل عام يبلغ موسم قطاف العنب بالمدينة ذروته بالانتاج وليمنح المدينة هويتها وطابعها التاريخي الذي عرفت به عبر التاريخ.
 
وما يميز هذا الموسم إكتساء جبال المحافظة بحلة "كروم العنب" التي تتزين بها المرتفعات الجبلية والسهول لينسج رابط خاص بين الانسان والارض وليقف أمام تمدد غول الاستيطان الذي لا يتوقف عن تدمير هذه الحقول أو الاعتداء على أصحابها والعاملين فيها بهدف مصادرتها وبناء المستوطنات.
 
هوية وارتباط بالأرض
وبينما كانت السيارة تمخر بنا بين حقول العنب الممتدة على امتداد البصر، يحدثنا "سامر النمورة" مدير جمعية البرقوق والعنب بالمحافظة قائلا :"العنب علم من اعلام الخليل، لا يذكر العنب الا تذكر الخليل، فهناك ارتباط كلي بين الانسان والمكان بهذه الشجرة منذ آلاف السنين، حتى بات الجميع يتغنى بهذا المحصول لتميزه بخصائص تختلف عن اي محصول آخر بالمذاق أو الاصناف".
 
وتنسدل قطوف العنب من على العروش التي تمتد عليها، ويضيف النمورة بالقول :"هناك خصوصية لأراضي الخليل من حيث البيئة التي تمتزج ما بين السهول والتلال وهذا يمنحها نوعا من التنوع المناخي الذي يمكن من خلاله زراعة العديد من اصناف العنب، فهناك العنب الاصفر والابيض والاسود والأحمر، وهناك عنب ما يؤكل كفاكهة ومنه ما يتم تحويله للصناعة وانتاج اصناف جديدة من المربى".
 
ولعل أبرز ما يمنح هذا الموسم من خصوصية، كمال يقول النمورة أنه "يجعل من ابن الخليل يحمل هويته معه في كل مكان، فبمجرد أن يعرف الناس انك من الخليل يسألونك عن العنب، وكانه اصبح جزء من حكاية الانسان الخليلي عبر التاريخ.
 
هذا الارتباط ما بين الانسان وشجرة العنب، تجعل من كل أهالي المحافظة يزرعون أمام منازلهم أشجار العنب، وكما يوضح النمورة بالقول :"على الرغم من وجود كميات كبيرة من العنب الذي ينتج سنويا من البلدة، إلا أن كل بيت بالمدينة تجده يرزع على الاقل شجرة واحدة وأنها أصبحت جزء من العادات والتقاليد المتوارثة عبر الاجيال".
 
ويعد العنب جزءاً من الموروث الثقافي والحضاري لأهل المنطقة، حيث توارث أبناء اليوم العناية به وزراعته عن أجيالهم السالفة، ويعتبر من التراث العريق والتقاليد التي تحظى باهتمام الكثيرين، الذين يحرصون على التمسك بها.
 
وتمتد مساحات شاسعة من الكروم والحقول الخضراء المزروعة بالعنب حول المحافظة، خصوصاً في المناطق الشمالية (حلحول وبيت أمر)، ومنطقتي البقعة وبيت عينون في الجهة الشرقية، وتشتهر هذه المناطق بزراعة كميات كبيرة من العنب بمساحات أكبر من مناطق المحافظة الأخرى.
 
وتطول فترة الانتاج أو موسم قطاف العنب في محافظة الخليل لتمتد ما بين شهر يوليو وديسمبر من كل عام  ويبلغ الانتاج ذروته خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، وفي الوقت الذي يتم انتاج فيه كميات كبيرة من العنب التي تسوق للسوق المحلية، تستخدم كميات أخرى للتصنيع أصناف عدة من المربى وبالتحديد ما يعرف لدى أهالي الخليل بـ"الدبس" والذي يشكل أحد ابرز أغذية الطاقة.
 
وبحسب النمورة، فإن مساحة الأراضي المزروعة بالعنب في الخليل تبلغ نحو 42 ألف دونم، لتكون بذلك المحافظة الأولى فلسطينيا بانتاج العنب، فيما تقدر الأراضي الاجامالية المزروعة بالعنب في فلسطين بـ70 ألف دونم.
 
مواجهة غول الاستيطان
ولم تتوقف مكانة "العنب وكرومه المنتشرة على أراضي الخيل" عند ارتباطها بالتاريخ والهوية، بل تعدى ذلك إلى منح أهالي المدينة مزيدا من الصمود ومواجهة مخططات الاستيطان الذي ينتشر بشكل مكثف بالمدينة، وهو ما جعل الشارع الفلسطيني عز الدين المناصرة يقول في حقه :"الشهد في عنب الخليل ..وعيون ماء سلسبيل/ هي ارث جيل بعد جيل.. وكفاح تاريخ طويل/ .. جنان جنان.. بعمر الزمان/ وما للدخيل بها من مكان/ وطن هنا ومواطنون ..فليرحل المستوطنون/ وغد إذا سطع اليقين ..(مستوطنة)كريات أربع لن تكون.
 
ويتحدث الباحث والاعلامي أكرم النتشه بالقول :"أطماع المستوطنين بأراضي الخليل حولت المحافظة إلى منطقة جذب استيطاني لا يمكن أن تحتمله أي مدينة اخرى، والمستوطنون يستهدفون أشجار العنب وهم يعرفون مدى قهرنا وتأثرنا عليها وهم يهدفون إلى اقتلاع المواطنين من أراضيهم كما اقتلعوا معرشات العنب".
 
ويضيف بالقول :"إلا أن الرابط ما بين الانسان بالخليل وما بين هذا المورث التاريخي يجعل المواطن كلما تعرضت حقول العنب لتدمير أو اقتلاع من قبل المستوطنين، يقوم من جديد بزراعتها وكأنه يقول لهم إذا اتقلعتم شجرة سنزرع بدل منها مئة شجرة".
 
ويتوافق سامر النمورة مع ما يطرحه النتشه حول دور أشجار العنب في تثبيت أهالي المدينة بأراضهم، ويضيف بالقول :"في كل عام يعمد المستوطنون إلى إعدام آلاف اشجار العنب سواء من خلال الاقتلاع او قطعها، أو حتى من خلال اغراقها بالمياه العادمه، إلا أن مزارعي المدينة ورغم كل ما يجري يعودون لزراعة الاراضي ويهتمون بها".
 
وتبلغ مساحة محافظة الخليل (1065)كم2 ، وبذلك تكون الأكبر بين محافظات الوطن مساحة وسكانا، حيث تجاوز عدد السكان إلـ (600) ألف نسمة. فيما خسرت المحافظة نحو (51%) من أراضيها منذ بداية الاحتلال عام 1967م وذلك كنتيجة لمشاريع الاستيطان التي يقوم الاحتلال بإقامتها بشكل متواصل.