حل “لجان الزكاة” في الضفة الفلسطينية: الحيثيات، الأسباب، والنتائج

هذه “رسالة مفتوحة” جديدة أوجهها لدولة رئيس الوزراء الفلسطيني بعد انسداد وسائل الاتصال المباشر معه. وموضوع “رسالة” اليوم هو إقدام حكومة دولته على حل/”إعادة تنظيم” لجان الزكاة في الضفة الفلسطينية! فمن المعروف أنه بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007 بشكل شبه مطلق، وفي ظل تكاثر الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن “الإرهاب” ومنابعه وأنشطته في “الضفة” علاوة على “القطاع”، ولاعتبارات ضرورية تتصل بتحسين صورة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الحاكمة لدى “الأسرة الدولية” وبالذات لدى “الوالد” الإسرائيلي و”الأم” الأمريكية لتلك “الأسرة”، كان طبيعيا ومتوقعا بل مفهوما (لكن ليس بالضرورة مقدرا/مثمنا ومتفهما) أن تقدم حكومة د. سلام فياض على خطوة –ضمن خطوات أخرى- أسفرت عن حل “لجان الزكاة” وإعادة تشكيلها(والاعتراض هنا على المضمون والأسلوب اللذين تم بهما ذلك) وذلك على درب تجفيف منابع “الإرهاب” (الحمساوي هذه المرة!). وفي سياق تدقيق أكاديمي/علمي، من خلال وثائق محلية و”دولية”، ناهيك عن حوارات في فلسطين، اتضح لي أنه كان لذلك القرار الكبير والخطير أسباب ونتائج كبيرة وخطيرة، فما هي هذه الأسباب؟

لقد توزع أنصار القرار، وربما صانعوه ومتخذوه، على فئات رسمية وشبه رسمية ثلاث: أولاها تقول (وليس كل ما يقال صحيح!!!) إن “لجان الزكاة” إنما هي متشكلة، بالمطلق أو بالأغلبية الساحقة، من أعضاء وأنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وبالتالي، فهي أدوات للحركة، بل هي أدوات لترويج شعبيتها وكسب الأعضاء والأنصار لها، وبالتالي هي “جسر” حركة حماس للسيطرة على المجتمع كبداية، مرورا بمحطة التسيد الكامل عليه، وانتهاء بتثبيت ذلك التسيد وإدامته. أما الفئة الثانية فتؤكد (وليس كل ما يؤكد صحيح!!!) أن عضوية “اللجان” ليست مقصورة على حماس وإنما على تشكيلة متفاوتة من حمساويين أو أنصارهم أو مستقلين أو حتى فتحاويين متدينين، الأمر الذي يجعلها لجانا تصب الماء (أو معظمه) في خدمة أنصار التيار الإسلامي أو في التأثير على الأفراد والعائلات المستهدفة للإدخال في ذلك التيار. وبهذا المعنى، فإنها لجان/أدوات تصب الماء في الطاحونة السياسية لحماس حتى لو لم تكن امتدادا عضويا لها ولكنها تخدم –بهذا القدر أو ذاك- مساعي الحركة للسيطرة على الحكم وربما لإدامته. وثمة فئة ثالثة تعلم أن لجان الزكاة هي لجان منتخبة وبالتالي فإن الواقع فيها حمساوي وفتحاوي مختلط وبنسب متفاوتة بينهما ومع فصائل أخرى ومستقلين. وهؤلاء –رغم معرفتهم بالواقع الفعلي، فإنهم لا يرتاحون إلى بقاء اللجان تحت سيطرة قوى “مستقلة” عن السلطة/الحكومة، وبالتالي فإنه لا مناص من السيطرة عليها سواء تحت يافطة وزارة الأوقاف أو تحت أي صيغة أخرى.

غير أنه لدى جميع هذه الفئات، الرسمية وشبه الرسمية، جامع مشترك جوهره السيطرة على “لجان الزكاة” هذه (كما على مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني) وذلك ضمن تزايد شهية السلطة والحكومة للتغول على مؤسسات الدولة أو المجتمع (وهو أمر متوقع ومفهوم ولو أنه غير مقدر/مثمن) كونه “تقليدا” تمارسه كل سلطة تنفيذية في مجتمعات العالم الثالث! ليس هذا فحسب، وإنما هو أيضا –في الحالة الفلسطينية- يأتي من أجل رفع “شعبية” الحكومة والسلطة الفلسطينيتين لدى كل “أعداء” الإرهاب وفي الطليعة منهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وقطعا للشك، نكرر –للمرة الثالثة والعاشرة والمئة- أننا نفهم هذا الأمر ونعتبره “طبيعيا” ومتوقعا لكنه قطعا ليس بالضرورة مقدرا/مثمنا عندنا، أقلها على النحو الذي تمت فيه الأمور! ذلك أن أي امرء يريد سلاما أوتسوية مع إسرائيل، وبرعاية أمريكية أو غربية أو حتى برعاية اللجنة الرباعية (وإن كنا نعلم أنه ليس ثمة لجنة رباعية ولا هم يحزنون وإنما هنالك ولايات متحدة متفردة بالقرار مع تناغم كامل مع إسرائيل) فإن على ذلك المرء السعي لكسب (كي لا نقول: إرضاء) الحلف الأمريكي/ الصهيوني، وهذا من طبائع الأمور في ظل مجمل الأوضاع الراهنة. وفي هذا –حقا- يكمن جوهر ما حدث عندما تم اتخاذ قرار حل و”إعادة تشكيل” لجان الزكاة. ومن باب الموضوعية السياسية، لا مناص ولا مهرب لمن اتخذ المفاوضات طريقا أساسيا (أو أوحدا) للتسوية من ولوج باب غير هذا الباب، فأنت لا تستطيع أن تكون مع التسوية وأصحاب القرار فيها (أي إسرائيل والولايات المتحدة) وأن تكون في الوقت ذاته ضدهم بل محاربا لهم، في آن معا. والمثل المنطوق بالإنجليزية صحيح في حال كهذا: فإن أنت كنت غير قادر على ضربهم (إطاحتهم) فعليك الانضمام إليهم! ذلك أنك لا تستطيع جمع الصيف والشتاء تحت سماء واحدة في الوقت ذاته، فإما أن تكون مع التسوية، وبالتالي تحاور( بل تحاول إرضاء) إسرائيل والولايات المتحدة وأنصارهما، طبعا دون تفريط، أو تفعل غير ذلك أي أن تختار خيار المقاومة بكل أشكالها. ونكرر –للمرة الرابعة والعاشرة والألف- أننا نفهم مثل هذا التوجه ونعتبره “طبيعيا” وإن كنا لا نعتبره في مطلق الأحوال أمرا مقدرا/مثمنا أو مفضلا لدينا. هذا عن الأسباب. فماذاعن النتائج؟

حقا، يتعذر النظر في النتائج المترتبة على قرار حل “لجان الزكاة” وإعادة تشكيلها بدون الحديث عن أسلوب ذلك “التشكيل”، وما نجم عنه من تركيبة بشرية، وما أسفر عنه من وقائع (أطر وكوادر) على الأرض، وما تبعه من تداعيات في أوساط الناس وبالتالي في المجتمع. وفي هذا النطاق، نبدأ بالقول أن انبثاق “لجان الزكاة” في الماضي كان يتم بأسلوب حر و/أو توافقي. غير أن قرار حل اللجان جاء –فيما لاحظت- على نحو فوقي بيروقراطي، متسرع ومتعجل، وبالتالي غير ديمقراطي ولا حكيم. بل أن ذلك “النهج” أدى إلى تعيينات غير مدروسة سواء على الصعيد التأطيري أو النوعي البشري، ناهيك عن كونه أغفل توفير الحد الأدنى من التوافق السياسي المجتمعي، إضافة إلى ضرب الاعتبارات الديمقراطية. وطبعا (في ظروف البيئة السياسية الشاملة المتسيدة في ظل السيطرة الإسرائيلية/ الأمريكية) لربما كنا –في موضوع “لجان الزكاة”- مستعدين للقبول بنوع من الإجراءات التي تتجاوز على الديمقراطية شرط أن تكون أولا مؤقتة، وثانيا تراعي تحقيق الحد الدنى من التوافق، وثالثا تأخذ بعين الاعتبار “تعيين” من هم أكفياء ولهم صدقية في المجتمع الفلسطيني. غير أن ذلك لم يحدث! فما الذي حدث حقا؟ هذا هو، بالضبط، ما سيعالجه المقال الثاني والأخير بخصوص ما حدث بحق “لجان الزكاة” الفلسطينية، أي إطاحتها وإعادة تشكيلها!!!