الغلاء والفقراء

العلاقة بين غلاء المعيشة وازدياد عدد الفقراء كالعلاقة بين السمكة والبحر. يموت السمك بانقطاعه عن البحر، ويزداد الفقراء فقراً ومعاناة يتمنون معها الموت، ناهيك عن اتساع مساحة وأعداد الفقراء، عندما ترتفع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل مطرد كما يحدث الآن في أغلب الدول النامية. والخشية الكبرى الناشئة عن ارتفاع الأسعار تكمن في توقع اتساع حجم ظاهرتين أو حالتين، وهما: اتساع الهوة الاجتماعية القائمة بين الأغنياء والفقراء، والثانية: التنامي الكمي للفقراء.
هذه الصورة تشمل جميع دول العالم اليوم كما قال رئيس البنك الدولي روبرت زوليك في 3/4/2008 إذ “ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً حيث قفزت أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية بواقع 80% منذ عام 2005….خلال شهر مارس الماضي بلغ السعر الحقيقي للأرز أعلى مستوى له خلال 19 عاما، كما ارتفع السعر الحقيقي للقمح كذلك إلى أعلى مستوى له خلال 28 عاما…وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتقلبها هو حقيقة باقية لسنوات عديدة”!
لو كان ارتفاع الأسعار متعلقاً بالأمور الكمالية والترفيهية وما أشبه لكانت محدودية تأثيرها مقتصرة على الطبقات الاجتماعية المقتدرة، وبالتالي محدودية انعكاس التأثيرات السلبية على عامة الناس، بينما تأثير الغلاء الجاري اليوم يشمل كل الطبقات بما فيها الفقراء أنفسهم وأصحاب الدخل المحدود في كافة المجتمعات بحيث يصيب عظامهم وينخرها يومياً لمباشرة التأثير على حياتهم اليومية في المأكل والمشرب والملبس.
مستوى حياة المواطن هو المقياس لتقدم أو تخلف الدول والمجتمعات عند جميع المنظمات الإنسانية والاجتماعية والتنموية في الأمم المتحدة. وهذا المقياس الذي يركز على مستوى دخل الفرد وقدرته على الادخار ومقدار ومستوى حصوله على حقوقه الأساسية من التعليم والصحة والسكن، هذا المعيار يتأثر سلباً وينتكس كلما ارتفعت الأسعار وشملت المواد الأساسية المتعلقة بهذه الأبعاد الثلاثة.
الكل يشتكي من غلاء المعيشة في الوطن العربي دون استثناء، ولكن شتان بين مشتك وآخر. شكوى الأغنياء لزيادة قائمة المصروفات السنوية مقابل الإيرادات. وشكوى متوسطي الدخل لتقارب أو تساوي قائمة المخرجات مقابل قائمة المدخلات. أما شكوى الفقراء فلعدم قدرتهم على توفير الضرورات اليومية للحياة وتفاقم الأعباء على رؤوسهم!
صحيح أن زيادة المرتبات للمواطنين ضرورية، لكنها لن تكون فاعلة ما لم يرافقها ثلاث خطوات فعلية، أولها: رقابة حكومية حقيقية ونافذة على مستوى الأسعار لاسيما على المواد المتعلقة بحياة المواطن اليومية كالغذاء والشراب والملبس والسكن. وثانيها: دعم الحكومات لتلك المواد مثلما فعلت المملكة ومصر إذ ألغت الثانية الرسوم الجمركية عن بعض السلع الأساسية، وخفضت الأولى الرسوم الجمركية على المواد الغذائية، ولكن التقصير في تفعيل تلك القرارات. وآخرها: تحمل المسؤولية بصورة مشتركة بين رجال الأعمال والحكومات تجاه غلاء المعيشة.
مشكلة غلاء المعيشة في تفاقم واضح يُخشى أن ينتج عنه قلاقل اجتماعية مجهولة النتائج, وهذا ما سعى رئيس البنك الدولي روبرت زوليك للتحذير منه بقوله: “إن 33 بلداً في جميع أنحاء العالم تواجه احتمالات تفجر قلاقل اجتماعية نتيجة للارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية ومنتجات الطاقة. وبالنسبة لهذه البلدان حيث تشكل المواد الغذائية 50-75 % من حجم الاستهلاك لم يعد هناك هامش للبقاء على قيد الحياة”!