إن لجان الزكاة الفلسطينية التي شكل بعضها منذ السبعينيات من القرن الماضي، تمثل إرثا عظيما للشعب الفلسطيني بكل فئاته، ولا يستطيع أحد على وجه الدنيا ان ينكر فضلها و دورها الرائد فى خدمة هذا الشعب في أحلك ظروف حياته تحت قهر الاحتلال.
وإن مصلحة الشعب الفلسطيني ومصلحة وطنه وتنمية قدراته وتعزيز دور مؤسساته الوطنية ومجتمعه المدنى لن تتم إلا من خلال اعطاء الجميع حرية تشكيل هذه المؤسسات واخضاعها للقانون الذى يجب ان يحكم الجميع وأن يكون هو الحكم على تصرفات الجميع بلا استثناء بعيدا عن التأثيرات السياسية التى اذا ما سمح لها بالتدخل فى اجراءات القانون أفسدته كما يفسد الخل العسل.
ودفاعا عن أهم مؤسسات المجتمع الفلسطيني التي ساندت الفقراء والمحتاجين والمتضررين، فإن لجان الزكاة السابقة لم تذنب في شيء إلا كونها قهرت إرادة الاحتلال- إن صح اعتبار هذا ذنبا-.
ولم يكن دورها في مواجهة انتهاكات الاحتلال بحق الإنسان الفلسطيني ليخفى على أبناء هذا الشعب، ففي استفتاء عام اجرته جامعة بيرزيت قبل أعوام قصيرة، جاءت لجان الزكاة الفلسطينية في المرتبة الثانية بعد الجامعات الفلسطنية التى تحوز على ثقة الشعب الفلسطيني، ولا يظن أحد أن جامعة بيرزيت منحازة لطرف فلسطيني دون آخر.
لقد كانت أعمال لجان الزكاة مقدرة من الجميع، وعلى أعلى المستويات ولم يقف ضدها الا الاحتلال ومناصري الاحتلال من اللوبي الصهيوني في أمريكا بشكل خاص والدول الأوروبية عامة، رغم أن كثير من المؤسسات الأمريكية والأوروبية تعاونت مع هذه اللجان ونفذت مشاريع معها بما فيها عدد من المؤسسات التابعة مباشرة للحكومة الأمريكية وكذلك الأتحاد الأوروبى وكثير من المنظمات الدولية.
وقد نجحت لجان الزكاة في استيفاء اشتراطات هذه المنظمات ومتطلباتها بعد أن فشلت كثير من المؤسسات في الحصول على ثقتها، ولا زالت الأمثلة على ذلك قائمة تحكي قصة الشفافية والمصداقية مثل مستشفى الرازي التابع للجنة زكاة جنين و مصنع الصفا للألبان التابع للجنة زكاة نابلس وغيرها كثير..
ومن هنا لا يستطيع إنسان على وجه الأرض ان يقتنع بادعاء مفاده أن هذه اللجان لم تكن ملتزمة بالقانون كما أعلن عند إعادة تشكيلها في نهاية العام 2007، أو أن إجراءاتها الإدارية لم تكن بالمستوى المطلوب ونحن الخبراء في التعامل مع هذه المؤسسات منذ عشرات السنين وعلى يقين بحجم الالتزامات التي كنا نفرض عليها تطبيقها من نظم ومشترطات وتقارير وشفافية ومحاسبية تطلبها القوانين الأوروبية التي نعمل في ظلها، و التي لم تأخذ علينا طوال السنوات العشرين الماضية أية مأخذ، بل كانت دائما تمتدح عملنا الذي كان ينفذ بشكل أساسي عبر مائة وعشرين لجنة زكاة فى الضفة والقطاع.
وكشهادة نعتز بها، فقد أشرف على عمل هذه اللجان رموز الشعب الفلسطيني الذين انتخب جلهم ممثلين بثقة عالية في المجلس التشريعي والحكومة في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع، وشكر فيها رئيس السلطة محمود عباس -أبو مازن- على دوره فى انجاح هذه التجربة الديموقراطية المتقدمة والتى ستبقى فى سجله مهما حدث بعدها من خلاف سيتجاوزه الشعب الفلسطينى العظيم كما تجاوز كل المراحل التاريخية السابقة وستلتحم قوى الشعب الفلسطينى مرة ثانية وقريبة جدا.
إن الدور الحكومي انحصر، وما زال، في التأكد من سلامة الإجراءات التي تقوم بها المؤسسات المدنية، سواء كانت خيرية أو غير ذلك، وبعد تسلمها للوثائق التي تعدها هذه المؤسسات ويدققها المراجعون القانونيين ومدققو الحسابات الخارجيين.
وهذا ما كان يطبق وتعمل به لجان الزكاة، وهو المطلوب أن تستمر به الجهات الحكومية، وهذا ما تطبقه الدول الأوروبية، وهو ما يفعله صندوق الزكاة ووزارة الأوقاف فى الأردن سابقا و حاليا وهو الأشراف على أعمال هذه اللجان والتأكد من ان أعمالها مطابقة للقانون وأن المشرفين على هذه المؤسسات يقومون بدورهم الذى يتيحه لهم القانون العام والقانون المتعلق بلجان الزكاة حسب ما يفيدهم به الخبراء القانونيين ومراجعو الحسابات، وحسب الوثائق المرافقة.
وهذا النمط أيضا هو تماما ما كانت تمارسه دوائر الأوقاف الفلسطينية ووزراء الأوقاف الفلسطينيين السابقين، وهذا ما هو مطلوب أن يقوم به من يأتى من بعدهم.. ولن يستطيع أحد القيام بغير ذلك، وليس مطلوب منه ضمن القانون العمل بغير ذلك وإلا فليحل محل العاملين ويصبح موظفا فى هذه اللجان.
إن ما قامت به الحكومات الفلسطينية السابقة ووزاراتها كان عين الصواب، وخاصة في شأن منح مؤسسات المجتمع الفلسطينى حرية التشكيل والعمل والإدارة وضبطها بالقانون. وهو ما أثرى مؤسسات المجتمع الفلسطيني وأكسبها السمعة والنجاح والمصداقية التى لم يشكك بها أحد والذي ساهم في تعزيز دور لجان الزكاة وجعلها من أنجح مؤسسات المجتمع المدنى الفلسطيني، الأمر الذي زادها ثقته طوال السنوات الماضية وساهم بشكل واضح وجلى فى دعم وتثبيت صمود الشعب الفلسطيني تحت احتلال قسري أراد كسر شموخ هذا الشعب، فوقفت مؤسساته بانتماءاتها المختلفة ضد سياسة الاحتلال فقهرتها الإرادة الحرة وستقهرها دوما…
إن كل من يعمل ليس معصوما عن الخطأ مع العلم، علم اليقين، أن مؤسسات المجتمع الفلسطينى لم تتعمد الخطأ ولم تمارسه وكذلك الحال كان مع جميع الوزارات الفلسطينية السابقة التى مارست دورها باستقلالية ومهنية و قانونية مكنت مؤسسات المجتمع المدنى الفلسطينى من أن تنتشر وتزدهر و تتنوع وكل من سيخالف هذا النهج سيفشل ولن يستمر.
إن الظروف التي فرضت هذه التغيرات، والتي لا يمكن احترامها و لا تقديرها، ما لم تصب فى صالح المجتمع الفلسطينى ومؤسساته و قواه الوطنية على اختلاف مشاربها و مرجعياتها السياسية. وهذا ما امتاز به هذا الشعب العظيم.
إن التغييرات التي طرأت على لجان الزكاة مؤخرا سياسية بحتة، وليست بقرار داخلى متحرر من الضغوط الخارجية والكيان الصهيونى، ولا يجوز تبرير ذلك بالقول إن السبب يكمن في عدم قيام الوزارات أو الوزراء السابقين ومدراء الأوقاف السابقين بدورهم، أو أن اللجان السابقة لم تقم بدورها وتجاوزت الوزارات والوزراء ومديري الإدارات، وهو ما لا يصدق ولا يقبل من أحد مع كل الأحترام والتقدير للجميع.
إن الرجاء اليوم معقود بأن لا تحمل لجان الزكاة ما لا يليق بها و بدورها وان كان هناك من ضرورة لتعديل او تغيير فلا بأس أن يتم هذا ضمن القانون وضمن النظام الذي يكفل للجميع حقوقهم، و للناس مكانتهم وكرامتهم.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69783
