جدلية الإرهاب والعمل الخيري مطرقة الجبروت وسندان العجز

من أكثر ضحايا الحرب المعلنة على الإرهاب، كانت المؤسسات الخيرية وبالتحديد الإسلامية منها، وبالتالي فقراء العالم الإسلامي بالتحديد أيضا حيث يمثل العالم الإسلامي الساحة الأكبر للصراعات والحروب في العصر الحديث ودماء المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً الأكثر غزارة وبالتحديد أيضا.
فلقد حملت أحداث الحادي عشر من سبتمبر رياح الشر على الجمعيات الخيرية الإسلامية في العالم، حيث أصبحت قوى الغرب تنظر إليها على أنها مصارف تمويل الجماعات الإرهابية، وضيقت عليها الطرق، وسعت إلى الضغط على الدول الآوية لها؛ لكي تحجم من أنشطتها الخيرية، حيث تعرضت إلى الكثير من الضغوطات وأدت إلى إغلاق بعضها وتجميد البعض الأخر وتقييد أنشطة أخرى نتيجة استهدافها من قبل أجهزة المخابرات والأمن، بدعوى تمويلها للإرهاب وللجماعات المسلحة.
ومن جهة أخرى فان إقحام المؤسسات الخيرية نفسها في الصراعات السياسية، وخاصة بين أنظمة الحكم والمعارضة، جعلها تدفع ثمن تلك الصراعات السياسية كما كان لوجود العديد من الثغرات القانونية والمؤسساتية لدى المؤسسات الخيرية ساهم أيضا في بعض الأحيان بالوصول إلى نفس تلك النتائج.
وما حدث ويحدث في قطاع غزة وفي دارفور، يعد مثالا واضحا لتأثير رياح الشر التي حملتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب ومسالة إقحام العمل الخيري في الصراعات السياسية على الأوضاع الإنسانية الحرجة، فقد تُرك أبناء غزة تحت الحصار وتعرضوا للجوع والمرض والموت، بدعوى وقف التعامل مع المؤسسات الخيرية في قطاع غزة لارتباطها بحماس، كما تعرض أبناء دارفور للجوع والتشريد بدعوى أن المؤسسات العاملة هناك ترتبط بدوائر غربية معادية أوقفتها الحكومة، وهناك فئة أخرى تعرضت لضغوطات من خلال إيقاف أنشطتها ومواردها، بدعوى ارتباطها بالحكومة أو بالتنظيمات الإسلامية تم الضغط عليها وأوقفت عالميا.
والسؤال الذي يطرح نفسه من المسئول عن إيقاف كفالة يتيم ينتظر أهله بضعة دراهم شهريا لإعالة الأسرة بأكملها، أو عدم إيصال طرد غذائي إلى أسرة يأسرها الجوع أو توفير مأوى لعائلة بين عشية وضحاها، أصبحت على قارعة الطريق إن كان هناك طريق أصلا، ومريض لم يعد يجد علبة دواء وهو يقف على حافة الموت؟
هل يكفي الادعاء بمحاربة الإرهاب لإزاحة عبء الجريمة عن كاهل الحكومات والدول الكبرى والمتمثلة في جرائم قتل الأطفال جوعا، وتشريد الأسر يتهددهم الجوع والبرد والمرض وازدهار تجارة بيع البشر مرة أخرى في أفريقيا؟ وهل يكفي تلك المؤسسات التي تصدت لمشروع العمل الخيري وحملت مسؤوليته أن تتبرأ من – دم يوسف – بإعلانها عدم قدرتها على تخطي تلك العوائق وعدم قدرتها على مواجهة قوانين دول كبرى؟
إن مثل هذه الأسئلة يجب أن توجه بوضوح إلى كل المعنيين، فالإنسان أكرم من أي يوضع بين مطرقة الجبروت وسندان العجز، جبروت الدول زعيمة الحرب على الإرهاب والتي وضعت محاربة تلك المؤسسات احد محاور الحرب تارة بالإغلاق، وأخرى بإصدار التشريعات لتقييد أنشطتها والتقييد، وتارة بإرهاب الممولين من التعامل معها، وكل ذلك بدعوى الحرب ما سمي بالإرهاب الإسلامي فكانت الضحية هم المنتفعين من برامج تلك الجمعيات الخيرية والإنسانية ومنهم الأيتام والأسر المحتاجة والعجزة والمرضى، دون الالتفات إلى أدنى حقوق الإنسان وكرامته حيث مثلت هذه الساحة أي ساحة العمل الخيري الأكثر تسجيلا للانتصارات فيما اصطلح على تسميته بتجفيف منابع الارهاب – أي مصادر تمويل المنظمات الإرهاب -، ومع ذلك استمرت كل المنظمات التي صنفت بأنها إرهابية وواصلت نشاطاتها، بغض النظر عن مدى موافقتنا أو اختلافنا معها أو على هذا التصنيف، وبعضها الآخر ازداد نشاطا. ومن جهة أخرى تفاقمت الأزمات والمشكلات المتعلقة بالجوع والتشريد.
ومن جهة أخرى فان سندان العجز، والمتمثل في عجز تلك المؤسسات عن حماية أنفسها، وتقصيرها في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تحمي انجازاتها وتدافع عن حقوق الفئة الضعيفة المستفيدة من برامجها، ساهم أيضا في إهدار انجازاتها وكرامة منتفعيها ولم تجد محاولات الدفاع التي قام بها المعنيون ورؤساء تلك المؤسسات في حماية مؤسساتهم ومنتفعيهم، وهم الفئة الأكثر تضررا نتيجة توقف حصولهم على المعونة وان أجدت، وحقيقة في الكثير من الحالات وأعيد السماح لها بممارسة أنشطتها فهي جاءت بعد أن نالت من تلك المؤسسات وحضورها وثقة عملائها بها وخاصة الممولين لمشروعاتها.
فإذا كنا نلقي باللائمة على تلك القوى المتجبرة والشواهد عديدة وقد أشبعت بحثا وأدلة، فإننا أيضا يجب أن نعيد حساباتنا ونظرتنا إلى قدرة مؤسساتنا الخيرية والإنسانية على العمل باحترافية ومهنية، تمكنها من مواجهة تلك المعيقات والمحافظة على حقوق المنتفعين وكرامتهم، وذلك بالبحث عن السبل الكفيلة التي تحمي مؤسساتنا الخيرية وتحافظ على استدامة برامجها، فإن الخطوة الأولى في تقديرنا تبدأ في إعادة تقييم أنشطة تلك المؤسسات وبرامجها وبنائها المؤسسي، بحيث تكون قادرة على الصمود والتصدي .