على الرغم من الأحكام القاسية التي صدرت بحق خمسة من مؤسسي وموظفي ومتطوعي مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية (هولي لاند فاونديشين) في مدينة دالاس في ولاية تكساس، إلا أن هذه الأحكام بحد ذاتها لم تكن مفاجئة لا للمتهمين، ولا للجالية العربية والمسلمة الأمريكية، ولا حتى للخبراء القانونيين. ولكن المفاجئ هو ما قاد إلى هذه الأحكام وكيف تعامل معها القضاء الأمريكي، بطريقة جعلت كثيرين يشككون في نزاهته وحياديته في القضايا التي تخص العرب والمسلمين الأمريكيين.
وكان القاضي الأمريكي، جورجي سوليس، قد أصدر يوم الأربعاء (27/5) أحكاما بالسجن لمدد طويلة على كل من شكري أبو بكر (يبلغ من العمر 50 عاما)، وهو رئيس المؤسسة، وقد حكم بسجنه لمدة 65 عاما. وكذلك حكم بسجن غسان العشي، رئيس مجلس إدارة المؤسسة بنفس المدة (65 عاما). ويبلغ العشي من العمر (55 عاما). أما محمد المزين فقد حكم القاضي بسجنه لمدة 15 عاما، على أساس أنه حوكم على تهمة واحدة بعد أن برأ من أخريات. ويبلغ المزين من العمر (55 عاما). أما مفيد عبد القادر (49 عاما)، وكان يعمل مهندسا في بلدية دالاس، وكذلك كجامع تبرعات متطوع للمؤسسة فقد حكم القاضي بسجنه لمدة 20 عاما. ونفس المدة (20 عاما) تلقاها مدير مكتب المؤسسة في ولاية نيوجرسي، عبد الرحمن عودة (49 عاما).
وللتذكير، فإن الرجال الخمسة حوكموا بتهم تقديم دعم مالي لحركة حماس الفلسطينية على مدار أكثر من عقد من الزمان، وذلك حتى تاريخ إغلاق المؤسسة في أواخر عام 2001، أي بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. وقد زعمت الحكومة أن الأشخاص الخمسة قدموا دعما ماليا لحماس وصل إلى 12.4 مليون دولار أمريكي، كما اتهمتهم بالتآمر لتقديم دعم لمنظمة أجنبية “إرهابية”، بالإضافة إلى غسيل أموال والتهرب من الضرائب، إلى جانب تهم أخرى. وكانت السبيل قد نشرت تقريرا مفصلا عن قضية مؤسسة الأرض المقدسة في الثامن عشر من الشهر الماضي.
قضية مؤسسة الأرض المقدسة والأشخاص الخمسة المتهمين فيها، تجسد مأساة العرب والمسلمين الأمريكيين بأقسى صورها في عالم ما بعد 11/9. فمؤسسة الأرض المقدسة كانت أكبر المؤسسات الإسلامية الأمريكية الخيرية، وعلى الرغم من تركيزها على مساعدة المساكين والمحتاجين في فلسطين، إلا إن نطاق أعمالها الخيرية اتسع ليشمل إفريقيا وآسيا، بل وحتى الولايات المتحدة نفسها.
ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ومع تصاعد أعمال الانتفاضة المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، وفشل هذا الأخير في هزيمة المقاومة والشعب الفلسطيني، لجأت الحكومة الإسرائيلية للبحث عن “كبش فداء” لفشلها، وكان العمل الإغاثي الإسلامي الأمريكي هو المرشح الأوفر حظا ليكون “كبش الفداء” هذا. لماذا؟
أولا، لأن مستوى الدعم المادي القادم من مسلمي الولايات المتحدة لإخوانهم في فلسطين كان كبيرا مقارنة مع ذلك القادم من مناطق أخرى من العالم كانت تدعم احتياجات الشعب الفلسطيني المعاشية.
وثانيا، لأن إسرائيل راهنت على قوة اللوبي المؤيد لها في الولايات المتحدة، فضلا عن حلفاء آخرين لها في أوساط اليمين الأمريكي المتطرف.
ولأن مؤسسة الأرض المقدسة كانت أكبر المؤسسات الإغاثية الإسلامية على الإطلاق، ولأن حقل تركيزها الأول كان فلسطين المحتلة، فقد رُكِّزَ الرادار الصهيوني عليها. غير أن قرابة عقد من الزمان من التحقيقات الفدرالية الأمريكية المدفوعة والمحرض عليها من قبل اللوبي الصهيوني الأمريكي، لم تستطع أن تأت بدليل واحد يدين المؤسسة أو يخرجها على القانون. فكل التحقيقات أفضت إلى أن مؤسسة الأرض المقدسة، منظمة خيرية وحرفية بامتياز، وبأنها لا تدعم طرفا على حساب طرف في الساحة الفلسطينية، كما أنها لا تخص طرفا دون طرف بدعمها، وبأن كل ما ترسله من مساعدات يذهب للمحتاجين في صفوف الشعب الفلسطيني دون تمييز. وبالتالي، فقد كانت المحصلة بأن أعلنت السلطات الفدرالية بأنها لم تجد أي دليل يخرج المؤسسة عن القانون.
بل إن المؤسسة كانت قد حصلت في عام 2000 على مساعدة مالية من وزارة الخارجية الأمريكية، غير أن الضغوط الصهيونية أفشلتها. وأبعد من ذلك، فإنه كان من المفترض أن يكون رئيس المؤسسة، السيد شكري أبو بكر ضمن وفد يمثل قيادات الجالية المسلمة للالتقاء يوم 12/9/2001، بالرئيس الأمريكي حينها جورج بوش في البيت الأبيض، ولكن الاجتماع ألغي بسبب هجمات سبتمبر، والتي وقعت قبل الاجتماع المقرر بيوم واحد.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69803
