حسب الثقافة السائدة، العمل الخيري يطلب صلاح الآخرة كهدف رئيسي، وإصلاح الدنيا كهدف ثانوي غائب تماما في بعض الأحيان. أفترض أن هذين الهدفين (الدنيوي والأخروي) لم يكونا منفصلين في التصوّر الإسلامي الأصلي للعمل الخيري، بل لا أتصوّر ديناً أو عقيدة تحثّ على شكل ٍ من فعل الخير يفتقر إلى منفعة الإنسانية في الدنيا، فهـذا يفرغ مفهوم “الخير” من معناه.
لكنّ ثقافتنا السائدة نجحت فعلاً وبشكلٍ ما في فصل مفهوم “الخير” عن غايته الدنيوية، وفي تكريس مفهومٍ لفعل الخير مُفرغ من الخيرية.
فعلت ذلك عبر التركيز المستمر على “حجم” الأجر والمثوبة التي تترتب على فعل ٍ بسيط مهما بدا عديم التأثير أو الجدوى، وعلى استحثاث الهمم لئلا تحتقر أصغر الأعمال “حيث لا يضيع مقدار ذرة عند الله”، فعل الخير في هذا التصوّر علاقة مباشرة مع الله لا تمرّ بسؤال الواقع واحتياجاته وإمكانية تغييره وإصلاحه.
لا أظن أن هذا التحول لمفهوم “فعل الخير” حدث عمداً، ربما كان القصد الأصلي إدناء موارد الخير من المؤمنين وتبسيطها لهم، لكن وكما يحدث عادة في عمليات التبسيط عندما يقوم بها عقل قاصر عن فهم الجوهر؛ فُـقد جزء كبير من الجوهر، بل الجزء الأهم منه، وهو جزء الفاعلية والجدوى الدنيوية. هكذا تشكلت صورة فعل الخير في الـمُخيّلة الشعبية في طابعٍ “بروتوكولي” رتيب، وهناك عدد متزايد من ملتزمي هذا البروتوكول الخيري دون أن يعني هذا أنهم فعلوا خيراً للناس في الحقيقة وعلى أرض الواقع. من الأشكال البروتوكولية لعمل الخير، هذا البذل المالي الكبير، دون تدقيق في طريقة توظيفه وإنفاقه، لأن الثواب الإلهي متحقق بمجرّد البذل، وكذا البذل المالي دون التطوّع بالجهد الشخصي حتى عندما تكون حاجة الواقع إلى العمل لا إلى المال، وبناء المزيد من المساجد في مكان يحتاج إلى مدرسة أو مشفى، وتوزيع أية مطويات متوفرة تحتوي آياتٍ وأحاديث، ودفع رسائل الإيميل التي تحتوي عبارة كـ”صلّ على محمد” أو “سبحان الله” عشر مرات، المهم أن الأجر متحقق وحاصل بمجرّد الفعل وبمعزل عن فائدته العملية في الحياة وللآخرين.
وبعد أن يودع الواحد ريالاته في حساب مؤسسة خيرية لا يعرف أي شيء عن نشاطها، أو بعد أن يلصق على باب في مكان عام “اذكر الله”، يمكنه أن يطمئن ويعود مرتاح الضمير إلى الانغماس في حياة فردية غير مبالية بما حولها.
قد يُفسّر هذا جانباً من ضعف تأثير العمل الخيري في السعودية والخليج عموماً. النوايا الطيبة موجودة، وحجم الإنفاق يفوق نظيره في أوروبا وأمريكا.
قد يبدو هذا مُستبعداً، لكنها الحقيقة. حسب دراسة غير منشورة، يبلغ الإنفاق على العمل الخيري في دول الخليج سنوياً ما معدّله 1.5 إلى 2% من إجمالي الناتج المحلي (تساوي 15 إلى 20 مليار دولار)، بينما معدّله في أوروبا وأمريكا 0.5 إلى 1% من إجمالي الناتج المحلي. هذه الأرقام تغري من تستهويه أشكال التفوّق النظري ليبرهن بواسطتها على تفوّق المجتمعات المسلمة، لكن فعلياً، يسجل النصف من الواحد في المئة المنفق في أوروبا تأثيراً أكبر في حياة الناس من تأثير الاثنين بالمئة المنفقة خليجيـاً، لأن هذا النصف الصغير يُدار ويوجَّه برغبة في تغيير الواقع، ربما يأمل مؤمنو أوروبا في الجنّة عندما ينفقون، لكنهم يرغبون أيضاً عندما يضعون دولاراً أن يذهب الدولار لما أو مَن يحتاجه، ولأن الحاجة متغيّرة حسب الزمان والمكان لا بدّ أن يُعاد طرح السؤال من جديد في كل مرة: ما هو أفضل ما يمكن عمله لهذا المكان أو لهؤلاء الأشخاص؟
والأفضل في هذه اللحظة ليس الأفضل في لحظة أخرى.
لا يمكن الاستمرار في بناء المساجد وحفر الآبار وطباعة المصاحف وتوزيع المطويات، لأنك عندما تبني مسجداً لن تحتاج إلى مسجد آخر بل إلى مدرسة، وعندما تحفر بئراً لن تحتاج بئراً أخرى بل حقلاً أو مشفى أو مصنعاً، وعندما تـُـشبع حاجات المجتمع الأولية يجب الانتقال إلى إشباع حاجاته الثانوية، ودائماً على الإنفاق أن يترافق مع سؤال الجدوى، والرغبة في بذل الجهد والوقت الشخصي.
العمل الخيري كما هو الآن مسألة آخرة وسيبقى كذلك، وسيبقى قليل التأثير ما دام مفهوم الخير بحد ذاته مضطرباً لصالح اعتبارات الآخرة دون الدنيا وأهلها.
ورغم أن العديد من الأشخاص سيُؤمّنون على هذه الفكرة بحدّ ذاتها إلا أن الفاعلية أو العمل الخيري سيظل محصوراً في عناصر ومنظمات دينية الطابع قوية وعريقة، تباشر فعل الخير والانتشار الثقافي على حد ٍ سواء؛ أو عناصر ومنظمات البريستيج الاجتماعي، وهذه تباشر فعل الخير والانتشار “الشخصي”.
إذ لا يبدو أن المنحازين إلى مفهوم الخيرية الدنيوي يملكون حافزاً موازياً يدفعهم إلى الفعل، حتى ولا إيمانهم بالفكرة.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69813
