دم فلسطيني يسري في عروقي

أطفال غزة وقود للحرب – ارشيفية

في عروقي خمس وحدات من الدم الفلسطيني انقذتني من الموت، لكنها غيّرتني.. كأنني عايشتُ النكبة بكافة مراحلها.. كأنني عايشتُ الشتات بكامل معاناته.. تنفست القضية كأنني عايشتها دمعة دمعة وفكرة فكرة حتى اختلطت بذرات الجسد والروح معا ً.. وكأنني تحولت الى تمثال أحدق في المجهول.. اذا جلستُ أجلس بصمت، واذا وقفتُ أقف بصمت، واذا سرتُ كأنني أسير في جنازة القيم وحقوق الانسان والضمير.
يوم تدافع الشباب للتبرع بدمائهم لي، كنتُ في شبه غيبوبة.. استيقظتُ بدمٍ جديد، فإذا حياة اخرى تـُـبعَث فيّ.. وأحلام يقظة تطاردني: أشارك أسرة من غزة فتات خبزها على ضوء شمعة·· أتسلل بين شحنة "اميال من الابتسامات" لأطوّق أطفال غزة، أتمرّغ بطفولتهم بشغف، ولا أكتفي.. ألاعبهم وأشاكسهم وأرتمي معهم على رمال شاطئ غزة حيث رائحتها شهية كالحبق، وأستحم معهم برذاذ أمواجها الدافئة.
                                                                               
عندما دخلت أول قطرة دم فلسطيني في عروقي، ارتعشت عيناي بالدموع الساخنة كأنني أمام الكثير من المشاهد.. أشم رائحة الموت مع الخيام.. وأرى مشاهد لفلسطين النازفة وجعاً، أراقب كيف يموت شجر الزيتون مختنقا ً بالحريق، وكيف يموت الرضّع بصواريخ أكبر من أجسادهم الطرية.. في عروقي صدى أنـّات آتية من المسجد الأقصى.. تشبه اقتلاع جزء مني كصرخة تتكسّر في الأغوار العميقة للنفس..
حزين وصامت هذا الدم في عروقي.. انه يشبه ذلك النوع من الزهور، الذي إذا لمسته، يذبل ويميل نحو الارض، موشوشا ً اياها بما يعذبه وباثا ً همومه واشجانه في صدرها.. ليس هناك في فلسطين أي بسمة، بل حزن بحجم العالم بأسره.. شعب لم يتعلم سوى وداع شهيد تلو شهيد… وعيون صغيرة تبحث بين الانقاض عن عودة بارقة أمل بالسلام في ضباب المحادثات، وأطفال يستنجدون بعضا ً من طفولتهم التي لم يعرفوها..
 لطالما كانت فلسطين تسكنني من دون ان اسكنها.. أهناك تلاعُب في ولادتي؟ أولد في لبنان، وروحي تولد في فلسطين؟؟ أترعرع في لبنان، وذكرياتي كلها حول فلسطين؟؟ والآن بعد أن تمّ إنقاذي بأعجوبة بخمس وحدات من الدم الفلسطيني، شيءٌ ما فيّ تغيـّر، وكأن ّ في هذا الدم قوة تتمرد على حدود المكان والزمان لتبعث الدفء في ولادتي الجديدة.. صرتُ جزءا ً من النكبة.. صرتُ صورة مصغرة عن الضحية التي تمثل شعباً بأكمله.. للدم فلسطين في عروقي نكهة خاصة·· لا يتلذذ بها إلا من عشقها وعشق عذوبة أرضها..
 
في عروقي نظرة العم أبو صخر من مخيم نهر البارد في طرابلس.. عجوز عاش يحدثني عن فلسطين الجميلة يوم كانت كالعروس تختال بفستانها الاخضر في تربة البساطة والطيبة…  لن انسى أبدا ً تجاعيد وجهه التي رسمت خارطة فلسطين تماما ً… أوصاني أن ادفنه في قريته في نابلس تحت شجرة زيتون أصيلة، لم تستعر بذورها من أحد، ولم تستورد سمادها من أحد، ولم تطلب سقاية من أحد·· شجرة فريدة لا تحمل غير ملامحها. أوصاني أن أحمل رفاته  من قبر اللجوء لى قبر جنة الوطن، وإن لم استطع، فحفنة تراب من فلسطين تُرش على قبره تكفي!
في عروقي خمس وحدات من الدم الفلسطيني، دم جديد يعاندني بهوية معجونة بلون أرض فلسطين ورائحة برتقالها، وطعم زيتونها·· الآن صرتُ افهم معنى اقتلاع شعب من أرضه… يا الله ما أقسى هذا الدم في داخلي.. يحمل وجع واحد وستين عاما ً من اللجوء والتشرد هنا وهناك..
في عروقي خمس وحدات من الدفء تغمرني بنسمات من هواء فلسطين، تتغلغل بين شراييني كأمواج توشوشني من عمق بحر غزة، متفجرة ً في رائحة تربة حيفا الطرية الممزوجة بنعومة زهر يافا.
 
خمس وحدات من الدم غيّرتني.. تحية عربية فلسطينية من الشتات من لبنان بعيداً عن الوطن الغالي نتألم ونبكي ونتوق إلى رؤية فلسطين.. أعرِّفكم عن نفسي: أنا امرأة فلسطينية من أبوين لبنانيين. في عروقي خمس وحدات من الدم الفلسطيني.. في عروقي العالم، ولا أبالي بأحد.