مجموعة من العمال السوريين
نسمع بين حين وآخر عن اعتداءات يتعرض لها العمال السوريون في لبنان، فبالأمس قتل عامل وجرح آخر لا لشيء بل لأنهم سوريون..هؤلاء العمال البسطاء الذين يذهبون إلى لبنان ليس للسياحة والاستجمام، بل للبحث عن لقمة العيش، الذين لو استطاعوا تأمينها في سوريا لما ذهبوا إلى لبنان.
إذ مرت أربعة أعوام على خروج الجيش السوري من لبنان، وشهدت العلاقة بين البلدين مدّاً وجزراً، تنوّعت، تلوّنت، رغم ذلك لا يزال عمال سوريّون يتعرضون لأنواع مختلفة من الاعتداءات، يُشتمون وتُسرق أوراقهم وأموالهم.
الأمر الذي يثير القلق، مم دفع منظمة العفو الدولية عن الإستنكار لتعرض عشرات العمال السوريين للقتل وتعرض المئات للضرب، واطلاق النار، والتهديد، أو للسرقة ، وتعرض عاملين للاختطاف، وكذلك تحركت بعض المؤسسات الحقوقية استنكارا ً لما يحدث للعمال السوريين في لبنان.
قليل من الاهتمام
يكاد لا يخلو تقرير أمني من خبر اعتداء على عمال سوريين، ضرب أو تهجّم لفظي أو سلب أو… ولكن اللافت عند قراءة التقارير في الشهور الأخيرة ارتفاع نسبة الاعتداءات القائمة على ضروب من الاحتيال، يتنكّر لصوص في زي رجال أمن، يقتربون من عامل أو مجموعة عمال يصادفونهم في طريق البحث عن لقمة عيشهم، أو يقصدونهم في محلات إقاماتهم، الفقيرة بالتأكيد، يدّعي اللصوص أنهم يريدون التأكّد من الأوراق الثبوتية للعمال، يجبرونهم أحياناً على الصعود إلى سياراتهم، يأخذون منهم أوراقهم وكل ما في حوزتهم من نقود، ويرمونهم على قارعة الطريق، ثم يفرّون إلى جهات مجهولة.
ارتفعت نسبة الاعتداءات ضد العمال السوريين بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم تراجعت لكنها لا تزال تمثّل ظاهرة. ولكن الجمعيات المهتمّة بقضايا حقوق الإنسان لم تعد تطلق الحملات لحماية هؤلاء العمال، يتحدث ممثّلوها عن المشكلة إذا سُئلوا، ولكنهم يعترفون بأن هذه القضية لم تمثّل بعد مادة لحملة مبرمجة وموثّقة بأعداد الضحايا وأشكال الاعتداءات التي يتعرّضون لها.
ويلفت محامون منتمون إلى جمعيات تُعنى بحقوق الإنسان إلى أنهم يتابعون قضايا تخصّ عمالاً سوريين عادةً إذا كان العامل قيد التوقيف، وفي أحيان أخرى تصدر بيانات أو دراسات تندّد بالاعتداءات على «العمال الأجانب»، ولكن اللافت أن قضية العمال السوريين لا تلقى الاهتمام اللازم من جانب وسائل الإعلام والجمعيات غير الحكومية.
خوف مستمر
الخوف والذهول على وجوه العمال السوريين كان بادياً، وكذلك علامات البؤس والفقر: ثيابهم بسيطة ورثّة، لحاهم غير محلوقة ولا مشذبة، شعر رؤوسهم منكوش. اقتيدوا إلى موقع القوة الأمنية المشتركة المحاذي للطريق لأخذ أقوالهم بعد مقتل صديقهم! قضى الشاب السوري عبد الله عواد العايد (17 سنة) عندما أطلق مجهولون النار على حافلة تقل 25 راكباً سورياً على الطريق الدولية بين طرابلس وعكار، وأصيب آخرون بجروح طفيفة ناجمة عن تطاير زجاج النوافذ. وكانت الحافلة تقل عمالاً سوريين من سوريا إلى بيروت، ولدى وصولها إلى محلة شبه خالية في بلدة دير عمار على مسافة من حاجز مشترك للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، أطلقت عليها من رشاش كلاشنيكوف، 7 طلقات أصابت ثلاث منها الحافلة واخترقت احداها النافذة لتصيب الشاب في رأسه وكتفه ما أدى الى مصرعه على الفور، ونقل لاحقاً الى المستشفى الإسلامي في طرابلس.
وعلى الفور حضرت الأجهزة الأمنية وباشرت التحقيقات وجمع الأدلة لمعرفة مطلقي النار. وكذلك حضر والد الضحية الى المكان بعدما أبلغ بأن حادثاً وقع لابنه، وقال إن ولده عمره 17 سنة وهو يعمل في بيروت، وإن "لا خلفية سياسية ولا أمنية له ولا غاية له سوى العمل". ويوضح بصوت متهدج وعين دامعة: "تبلغتُ بوفاة ابني قرابة الساعة الرابعة من فجر أمس، فأتيت فوراً إلى هنا لمعرفة ماذا يحصل".
معاناتهم
تتعدّد الروايات التي يتناقلها عمال عمّا تعرض له زملاء لهم. يقول أحمد أنّ صديقه قد تعرض للإهانة قبل أن يُرمى من باب السيارة، التي أُجبر على الصعود إليها بالاحتيال، وقد تمّ سلبه ماله ومن ثمّ رماه بالشتائم له ولأمه وأخته، كما شتم البلد التي أتى منها! يسكن أحمد في غرفة يتقاسمها مع ستة آخرين، ويتحدث عن طفلته وعمرها سنة واحدة، والتي لم يرها سوى مرتين، تركها لحضن أمها في قريته جنوب سوريا، ترك معهما في البيت شهادته الجامعية في العلوم الاجتماعية، وأتى باحثا ً عن لقمة العيش.
أما الشاب "خضر"، فيقول إنه يجول في طرقات بيروت باحثا ً عن أيّ عمل، ويعرف أن تجواله وحده خطير، لكنه يجازف من أجل تامين لقمة العيش لعائلته.
عنصرية
عمال سوريون عند احد الحواجز الأمنية اللبنانية
الاعتداءات على العامل السوري تنطلق من «منطلق عنصري» هذا ما يُجمع عليه مهتمّون بقضايا المجتمع المدني. محامون متابعون لقضايا حقوق الإنسان يذكّرون مرة أخرى أن الدستور اللبناني نص في مقدمته على احترام شرعة حقوق الإنسان، وهي تتضمّن إدانة للعنصرية، ولكن لا نص في القانون اللبناني يترجم هذا الالتزام لجهة معاقبة مرتكب الفعل العنصري، ولا وسيلة لحماية الضحية إلا إذا كان الفعل الواقع عليها يعدّ مخالفة أو جنحة أو جناية يُعاقَب مرتكبه عليها وفق نصوص قانون العقوبات ومواده. وفي هذا الإطار يذكّر المحامون بأنْ لا تمييز بين لبناني وأجنبي بالطبع في هذا الإطار «النص القانوني يعالج أي حادث كجريمة أو عقوبة، ولا فرق إن كان الضحية سورياً أم مواطناً لبنانياً، أو إن كان يحمل جنسية أخرى». وبإمكان العامل أن يستفيد من نصوص قانون العمل إذا وقع في حقه ظلم في عمله.
في عام 2005 أصدرت منظمة العفو الدولية «أمنستي» بياناً أدانت فيها الاعتداءات التي تعرّض لها عمّال سوريون في لبنان. خلال نحو شهرين تردّدت أنباء كثيرة عن مقتل عشرات العمال السوريين، وتعرُّض عشرات آخرين للضرب أو إطلاق النار أو التهديد أو السرقة.
نصّ وثيقة التضامن الحقوقية
تحرّكت الكثير من المؤسسات الحقوقية في العالم، وأصدرت وثيقة وقعها أكثر من 147 جهة حقوقية، وهذا هو نصها:
نحن الموقعون أدناه، نعبر عن قلقنا الشديد واستيائنا الكبير من مواصلة الاعتداء على العمال السوريين المتواجدين في لبنان، حيث تُفيد المعلومات الواردة من مصادر حقوقية مختلفة بوجود حوادث قتل وجرح واعتداء على السكن والكرامة وتهديد مباشر وغير مباشر.
هؤلاء العمال، الذين ساهموا في إعادة أعمار لبنان بأبخس أجر، لا ذنب لهم، ولا علاقة بما مارسته أجهزة المخابرات السورية واللبنانية من تجاوزات وبما ارتكب رجال السلطة السوريين واللبنانيين من أخطاء.
أن عقلية القتل على الهوية، التي سادت في فترة سيئة من تاريخ لبنان المعاصر، تنطوي على اعتداء على القيم الإنسانية والدينية لا يقبلها عقل ولا تبررها شريعة أو منطق سليم، ولا يمكن الصمت عنها أينما وقعت وكيفما وقعت.
نعتبر أن هذه الاعتداءات الجسيمة هي أيضا نتاج تحريض وخطاب غير مسئول لبعض وسائل الإعلام اللبنانية ومنابرها "الثقافية"، التي لا ضابط أخلاقي يضبطها ولا دافع نبيل يدفعها، على الحقد الشامل والكراهية العمياء وطمس الفوارق وتغييب الكثير من الحقائق.
نطالب الحكومة اللبنانية بالعمل بشفافية وبسرعة على الكشف عن هوية القتلة وممارسي العنصرية التي يجرمها القانون اللبناني والتزامات لبنان الدولية، وتقديمهم للمحكمة وتعويض أهالي الضحايا. كما نطالبها باتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان أمن العمال السوريين المتبقين في لبنان.
نطالب الحكومة السورية بعدم التستر على هذه الجرائم، فلا توجد غاية مهما بلغ سموها تبرر الصمت على جرائم الاعتداء على الأبرياء. كما نطالبها بمتابعة هذا الموضوع حتى نهايته، والعمل بحزم شديد على حماية العمال السوريين.
نطالب الإعلام اللبناني بقول الحقيقة لا نصفها، برؤية الفوارق لا طمسها، بتنمية المشاعر النبيلة لا الحقد والكراهية.
أسئلة من دون جواب
من يستهدف العمال السوريين في لبنان ويعتدي عليهم؟ إن الدولة اللبنانية مطالبة بحماية العمال السوريين في لبنان، كما أنّ الحكومة السورية ووزارة العمل بشكل خاص مطالبة أيضاً بالتحرك لضمان حماية أبنائها في لبنان ومطالبة الحكومة اللبنانية بكشف هوية القتلة وتقديمهم للقضاء، والتعويض المادي أيضاً لعائلات الضحايا.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69823
