د. ناجي شراب
يلازمني شعور غريب يؤرقني ويسبب لي قلقاً وأرقاً وهو الرغبة الجارفة في الهجرة والبحث عن أرض أخرى، ولا أقول وطن بديل، لعلي أجد نفسي فيه أو أجد السعادة والاطمئنان، وهذا الاحساس المؤلم بالانفصال والاغتراب رغم الارض التي ولدت عليها ومنحتني هويتي وشخصيتي، لا يقتصر عليّ وحدي فقط، بل ينسحب على الجميع، الكل يبحث عن لجوء، أو أرض بديلة. ولعل أصعب شيء في حياة الإنسان أن يكتشف أن الأرض التي يعيش عليها باتت طاردة لأبنائها، لعجزها عن توفير السعادة الوطنية لهم. والمفارقة أننا نتحدث عن أرض الرباط والجهاد، والأرض المقدسة، ولا خلا ف على ذلك، لكن أبناء هذه الارض ولاسباب كثيرة كلها تتعلق بالاوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية لم يعودوا يشعرون بوطنيتهم وانتمائهم. وهذه قضية لا تقل خطورة عن قضية إنهاء الاحتلال “الإسرائيلي”.
لهذا السبب رأيت أن أكتب في هذا الموضوع، مؤكداً أن ما أهدف اليه هو إجلاء الحقيقة، والبحث عن إجابة لعلها تهدئ من هذه الرغبة الجارفة بالهجرة القسرية عن الوطن، وأبدأ بهذه الملاحظات وأولاها أن هذه الرغبة ليست فردية، بل وجدتها لدى عدد كبير ممن أقابلهم وأتحدث اليهم، والكارثة هنا أن هذه الرغبة تسيطر على عقول الشباب الذين يمثلون قوة الأمة، ومن دونهم تعيش عالة على غيرها وتدخل مرحلة الشيخوخة بالفهم الخلدوني قبل أوانها. والامر الآخر الأكثر سوداوية أن هذه الرغبة قد زحفت حتى لدى المواطن العادي الذي ضاق به الوطن، وضاقت به سبل العيش، وعندما توجهت بالسؤال لماذا، كان الرد أننا نشعر أننا غرباء في هذه الأرض التي لنا حق فيها مثل الجميع.
وقادتني هذه الرغبة ثانياً الى استرجاع أول دروس التربية الوطنية في مرحلة الطفولة، وكيف كان مدرس التاريخ يزرع فينا حب الوطن، والتضحية من أجله، وتذكرت كم كان يستفيض في شرح معاني الولاء والانتماء والهوية وحب الوطن والإيثار والمستقبل الواحد واللغة الواحدة والآمال المشتركة، تذكرت هذه الدروس في تعلم الوطن والوطنية وشعرت معها بغيبوبة قصيرة وبحالة دوران زمنية عميقة، ذهبت خلالها بمقارنة ما آلت اليه حالنا اليوم من صراع واقتتال ونزاع وتأصيل لثقافة الحقد والكراهية والاستعلاء بين الأخوة والأشقاء، وتجزئة الوطن إلى أوطان صغيرة محتكرة من قبل فئات صغيرة من الافراد ولحظتها أدركت لماذا يسيطر هذا الشعور بالغربة في داخل الوطن، لان الوطن لم يعد ملكاً للجميع، بل هو ملك وحكر على جماعة صغيرة تتصرف به كأنه أحد أملاكها وتحول الناس إلى مجرد رعايا أشبه بالقطيع مطلوب منهم الطاعة العمياء من دون رفض أو معارضة.
ترحمت على مدرس التاريخ، وأشفقت عليه لان جهده ضاع هدراً وسط هذا الضباب من الانقسام وضياع الوطن في نفوس أبنائه، وأنه فشل في أن يعلمنا درساً في السعادة الوطنية وحب الوطن وتأصيل قانون المحبة الوطنية.
ولعل السبب المباشر وراء كتابة هذا المقال في هذا التوقيت بالذات الحال السياسية التي وصلنا إليها وتدفع للبحث عن وطن آمن، وأرض بديلة، وجواز سفر يضمن الكرامة الآدمية التي يفتقدها المواطن الفلسطيني في كل الحواجز والمنافذ البرية والجوية والبحرية التي يقف أمامها بحثاً عن سفر أو دخول، وامتد هذا الشعور الى داخل الوطن، وهنا تبدو المقارنة مطلوبة، “إسرائيل” تبحث عن استيراد اليهود من كل مكان إليها، ونحن نبحث عن هذه الجنسية في أي مكان، وتساءلت مع نفسي لماذا، وبماذا تتميز هذه الدول وهل توجد فيها جنة الله على أرضه؟ هذه الدول ببساطة تتميز بتوافر المواطنة الحقيقية، وبتعانق الوطن مع المواطن، فالمواطن غير خائف من البطالة، وغير خائف من عدم توافر الرعاية الصحية، وتعليم متقدم، والأهم من ذلك يتمتع بحقوق وحريات يصونها الدستور.
أما نحن في أوطاننا، فالحريات ضائعة والخدمات متدنية، والحياة تضيق بأبنائها، وأنظمة حكم أمنية وبوليسية مسيطرة، وثقافة الحصار تحاصر الناس حتى في بيوتهم، والأخ في حرب مع أخيه بالتعبير الهوبزي، وقد لا يلام هذا الانسان الفلسطيني الذي يبحث عن جواز سفر لا يريد منه الا أن يضمن احترام آدميته مثل بقية الشعوب الأخرى، ولعل هذا أهم ما كان ينبغي أن يحظى باهتمام ممن بيدهم زمام أمور الناس في فلسطين، وهو ضمان المعاملة الوطنية الآدمية لهذا الشعب الذي يعاني في الداخل والخارج. وهذه المعاناة هي التي تقف وراء البحث عن السعادة الوطنية التي اختزلت في مجرد جواز سفر يمنح صاحبه هذه الآدمية.
إن آدمية وإنسانية الإنسان الفلسطيني مستهدفة حتى يظل يبحث عن وطن غريب بعيداً عن وطنه، والكارثة أن تكون هذه الآدمية مستهدفة من الداخل الفلسطيني.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69831
