العمل التطوعي.. حتمية إنسانية تقتضيها ظروف العصر
تعبيرية
لا شك أن العمل التطوعي بأشكاله وأنواعه وصوره صورة مضيئة من صور العمل الخيري وأعمال البر التي تُعتبر من أسمى ما يقدمه الفرد تجاه عالمه ومجتمعه ووسطه الإنساني، كما أنه يعتبر ضرورة ملحة من ضرورات الحياة والإنسان المعاصر، والتي يجب أن تُنمى بشكل يرضي ويشبع حاجاته باعتباره قائداً للحياة على كوكب الأرض، والموكل إليه بكتاب الله عمارتها وإصلاحها وعمل الخير فيها. ولا جدال أن الإنسان هو القائد والمستفيد الأول من العمل التطوعي، خاصة في الوقت المعاصر، الذي تزايدت فيه المشكلات، وبالتالي المعاناة الإنسانية؛ إثر نمو بشري كبير؛ وبالتالي خدمات واحتياجات متصاعدة تحتاج إلى همة عملاقة، وعمل لا يتوقف؛ لكي لا تدهم الإنسان، وتفقده إنسانيته، ولا غرابة.
والعمل التطوعي نتاج قديم لنداءات سماوية دينية، وضمائر بشرية حية وسليمة، بما توقعه على أنفسها من مسؤولية وعبء تلتزم بتقديمه لتُحدث ما لا يمكن إحداثه لصالح المجتمع والكافة دون الحاجة لند أو نظير أو مقابل مادي، خاصة في أوقات الذروة والحاجات الإنسانية المتراكمة، عندما تتعثر الحكومات ولا تستطيع أن تواجه الأعباء والمشكلات لأسباب أو لأخرى، أو عندما تتسع أدوارها التنموية وتصير في حاجة ملحة للوصول للدرجة القصوى للإشباع والرفاهية ) الرقي الإنساني الخدمي )، ولا تستطيع ذلك دون تدخل من المتطوعين باعتبارهم أفضل من يستطيع أن يعبر وأن يصل إلى المستوى الأفضل للرقي الخدمي والإنساني.
ونود أولاً أن نستعرض التعريف العام للعمل التطوعي ..
ماهية العمل التطوعي
العمل التطوعي يتجسد دائماً في التضحية والتنازل (بهبة) الوقت والجهد، أو التبرع بالمال، أو بجميع ما سلف، في نفس الوقت، إضافة إلى كل ما يمكن تقديمه وهبته والتبرع به لإحداث نتيجة أو تغيير إيجابي تجاه شيء ما يهم الجماعة أو المجتمع عموماً، لم يكن من اليسير حدوثه لولا الحركة الإيجابية الإرادية التي ساهمت في ذلك من قِبل المتطوع، دون أن ينال أو يحصل على مقابل مادي أو ميزة نظير ما قام به، ودون أن ينتظرها ويرجوها في المستقبل القريب أو البعيد.
حقيقة العمل التطوعي في ضوء التعريف العام
يعتبر العمل التطوعي ـ بالنسبة للعامة ـ أمراً من الأمور غير المُلزمة أو الإجبارية، ولكنه في المقابل يعتبر أمرا تؤكده وتنادي به دائماً، بل وتصر على المساهمة به وتقديمه القيمُ الدينية والإسلامية؛ فيقول تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى. بل وأكد سبحانه وتعالى على أهمية وحقيقة العمل التطوعي وخيريته في قوله الكريم: ومن تطوع خيراً فهو خير له. كما أن المروءة الإنسانية بنوازعها الكامنة في أعماق البشر تحبذ التطوع من قبل الأفراد والجماعات والجهات، وكل من باستطاعته أن يقتطع من أشيائه الثمينة ـ كالوقت، والجهد، والمال ـ للصالح العام، أو حتى من أجل جهة أو مؤسسة خيرية، أو من أجل بعض الأفراد الذين يعملون في النهاية للمصلحة العامة لإنجاز شيء ما بإحداث أثر إيجابي لم يكن ليحدث لولا الحركة الإيجابية من قبل المتطوع بتدخله الفعلي والملموس دون أن ينال مقابلا ماديا أو ميزة معنوية جراء ما قدم، ودون أن ينتظرها في المستقبل، ويكون حافز المتطوع بواعث دينية بُغية التقرب إلى الله، كالتطوع الجهادي المعروف، أو نوازع إنسانية، كالتطوع لإغاثة المنكوبين، ومكافحة الأوبئة والعلل الاجتماعية الكثيرة والمتنوعة.
الفرق بين المتطوع والفضولي
يتشابه الدور الذي يقدمه المتطوع تجاه الأفراد والمؤسسات والمجتمع مع الدور الذي يقوم به الفضولي تقريباً. والفضولي مصطلح معروف في التقنينات الحديثة، وثابت تاريخياً وقانونياً في التشريع الإسلامي. فقد يقوم الفضولي بتدخل إيجابي لدفع ضرر أو لإحراز نتيجة لصالح شخص أو مؤسسة، ويجوز له أن يعود عليه ودياً أو قضائياً في المستقبل القريب في الوقت المحدد قانونياً ليطالب بحقوقه المادية والأدبية نظير ما قام به من تصرفات، ولا يستطيع من جنى نتيجة ما أجراه الفضولي التملص من دفع حقوقه، إلا إذا أثبت أن هناك ضررا وقع عليه نتيجة التدخل غير المبرر من قبله. لذا يتشابه الفضولي والمتطوع في أن كلاً منهما يقوم بعمل إيجابي بتقديم الوقت والجهد، وأحياناً المال، تجاه الغير، دون أن يكون كلاهما مكلفاً أو مجبراً بذلك، ولا يجوز للآخرين أو ذلك الغير، متمثلاً في شخص أو مؤسسة أو المجتمع، عموماً أن يوقعوا عليهما اللوم إن تقاعسا عن ذلك التدخل وتلك التصرفات. ويختلفا في أن المتطوع يقدم مجهوده ووقته وهو يعلم نفسياً أنه لا يجوز له المطالبة بأجر مادي أو معنوي أو ميزة ـ ولو قليلة ـ جراء ما قدم، وأن مجرد المطالبة أمر يعيبه ويشينه في مجتمعه؛ لأنه يسعى ويرغب في ثواب أُخروي لا يستطيع تقديره سوى الله سبحانه وتعالى.
أهمية العمل التطوعي للمجتمع الإنساني المعاصر
المتطلع إلى المجتمع الإنساني المعاصر يجد أن دول العالم بمجتمعاتها تقع تحت وطأة تقسيم ديموغرافي يصنفها إلى ثلاثة تصنيفات:
1- دول فقيرة ومتخلفة، تحتاج إلى جهود تطوعية جبارة لتخرج مما تعانيه؛ نظراً لضعف الدور الحكومي، والعجز الكبير في موارد ومصادر الدخل القومي.
2- دول نامية، وهي في حاجة دائمة للجهود التطوعية، ولا يمكن أن تستكمل مراحل النمو والنهضة دون أدوار مكملة من قبل مؤسسات العمل المدني والمتطوعين.
3- دول غنية، وصلت إلى قمة النمو والرفاهية الإنسانية، وتبقى في حاجة مستمرة للجهود التطوعية؛ للمحافظة على ما وصلت إليه من رفاهية ورقي خدمي وإنساني، وكذلك لدرء ما قد يستجد من أمراض متنوعة قد تظهر وتهدد المجتمع.
لذا فإننا سنعرض في الجزء الثاني فلأهمية وضرورة العمل التطوعي الإنسانية حسب التقسيم الشامل سالف الذكر، إضافة إلى التطرق إلى حتمية العمل التطوعي الإنسانية المعاصرة في دول الخليج العربي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69838
