مخيمات اللجوء في لبنان تعاني من سوء الخدمات
حمّلني الفلسطينيون في مخيمات لبنان رسالة مثقلة بالهموم طولبت بنقلها من قبل الشباب والشابات والرجال والنساء ومن الأشخاص ذوي الإعاقة هناك.
طالبوني أن انقل رسالتهم إلى كل فلسطيني وفلسطينية في الوطن، بغض النظر عن منصبه أو مركزه، آملين ان تجد آذانا صاغية عند أصحاب القرار، على نحو خاص.
التقيتهم في مخيمات بيروت وصيدا وصور، مار الياس والرشيدية وعين الحلوة وبرج البراجنة وصبرا وشاتيلا، وكانت لقاءاتي مع شرائح وفئات مختلفة، كلهم مثقلون بالهموم الحياتية واليومية، قرأت في عيونهم الأمل والحب، ورأيت اليأس والخوف والموت في حياتهم، في ذات الوقت.
قاسم المناضل ذو الإعاقة
لفت نظري قاسم، الشاب ذوي الإعاقة الذي يتدفق حياة وحيوية وامل، يقصد مكتبه المراجعون على اختلاف انتماءاتهم وطلباتهم اليومية الملحة، ويعتبرملاذا لعشرات لا بل مئات الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم، لا يرد طلبا لأحد، لا يخذل أحدا، ويحفظ الناس ومآسيهم عن ظهر قلب، ولكن كما قال لي، الحمل ثقيل وأحيانا ما باليد حيلة، المصادر محدودة والحلول ممكنة ولكن المؤسسات والمرجعية السياسية والمؤسساتية غائبة عن المخيمات.
سألته عن منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، عن "وكالة الغوث"، والفصائل الفلسطينية والمؤسسات المختلفة، وتجاهل سؤالي، مؤكدا في الوقت نفسه غياب المرجعية المؤسساتية والسياسية للفلسطينيين في المخيمات في لبنان، وقال بأنهم يعملون بمبادرات فردية "وجمعية" من خلال بعض التجمعات، مثل مبادرة هيئة الإعاقة الفلسطينية كتجمع مؤسساتي تمثل 18 مؤسسة، وجاء تأسيسها كمبادرة لتفعيل الحركة الاجتماعية للإعاقة.
حاول قاسم خلال لقائنا معه ارسال الكثير من الرسائل للفلسطينين اينما كانوان كضرورة الوحدة ورص الصف "فقوتنا في وحدتنا" كما قال، وطلب منا أن لا نزيد من اغترابهم، فهم مغتربون في الشتات، ولا يريد منا أن نزيد اغترابهم بقسوتنا عليهم (والشاطر يفهم).
يقول أن عواطفنا نحوهم غير ملموسة بل باردة، حتى انه يتهمنا بأن عواطفنا نحو فلسطين ليست حقيقة، فهم (فلسطينيو الشتات) يعرفون قيمة فلسطين أكثر منا، يحسونها وينتمون اليها، ولكنهم غير قادرين على تحقيق الوصول إليها، وهو يشعر بالألم عند مشاركته في مؤتمر خارج لبنان، حيث يجري تجاهل مقصود من الفلسطينيين في الداخل (الأراضي الفلسطيني) لهم، وحدثنا عن هذه القصة قائلا: " أثناء مشاركتي في إحدى المؤتمرات خارج لبنان كان في ذات المؤتمر فلسطينيون من الاتحاد العام للمعاقين في فلسطين ومن موظفي وزارة الصحة، هؤلاء تجاهلونا كأننا نحمل مرضا معديا اسمه الشتات واللجوء"!!
تغريد … أمل أخر
ومثال آخر أتى من "تغريد" التي تعمل في إحدى المؤسسات الدولية، وأكدت على كل ما قاله قاسم، وهي قلقة على كل شيء، على مستقبل الفلسطينيين في الشتات، قلقة من المفسدين والفاسدين وهو ما أفاد به قاسم أيضا، تغريد أمل أخر وحيوية للعمل بين الناس.
كل الشباب والشابات الذين التقيت بهم من مخيم الرشيدية وعين الحلوة يمثلون آمال الآلاف من الشباب وقلقون، على مستقبل الفلسطينييين في الشتات، وفي لبنان على وجه الخصوص، وهؤلاء الشباب يمثلون الانتماء والوعي في ظل غياب مرجعية تقودهم وتشد من أزرهم.
"جمعية الإنقاذ" تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه
أما "أكرم" فهو قلق على الشباب وعلى مستقبلهم، ويخشى ضياعهم في ظل الواقع المرير في المخيمات، فهم "معرضون لكل شي… لكي شي … لأي شي يخطر في بالكم".
أكرم وقاسم أسسوا الجمعية ليقوموا بتدريب الشباب والشابات على الدفاع المدني والإسعاف، يريدون الاعتماد على الذات وعلى المصادر المحدودة المتاحة بين أيديهم.
يقول أكرم: " نعمل بالمتاح غير المكلف، نقوم بتدريب الشباب وزيادة مهاراتهم بالدفاع المدني والإسعاف لينقلوا خبراتهم هذه للسكان والأسر داخل المخيمات الذين يعيشون في واقع بيئي وبنيوي واجتماعي سيء، فالحاجة ملحة لعملنا، والحوادث عديدة، وبالإمكان إنقاذ الأرواح وتفادي الخسائر البشرية من خلال هذه التدريبات البسيطة التي تحد من الحوادث.
بكت النساء فأبكيننا
رغم هذا الواقع السيء فالأمل كبير، ولكن إن أردنا أن نقرا ما بين السطور، وإن كنا مهتمين بواقع الفلسطينيين في مخيمات لبنان، فاليأس ايضا موجود والخوف متفشي، ورائحة الموت تفوح في كل مكان، فالخطر يهدد وجودهم ومستقبلهم، وهناك الكثير مما يمكن عمله لمساندة من يعملون على لملمة الصفوف وبلسمة الجراح، ومساندة من يعمل وله جذور عميقة بين الفقراء والمهمشين في تلك المخيمات.
بكت النساء واقعا وظروفا قاهرة فأبكيننا، وتفجر غضب الشباب والشابات من خلال أحاديثهم، شتموا/وشتمن وصرخوا/وصرخن، لعل هناك من يسمعهم، ولكن تبقى الحقيقة التي يحملها قاسم وطاقمه العامل في مركز للإعاقة، سوسن وأمل وغيرهن، وانتماء شباب وشابات الرشيدية وعين الحلوة، كلهم يحملون بين حنايا ضلوعهم الامل بحياة افضل.
سألتهم بعد ان سمعت قصصهم المؤلمة، ورأيت خيبة الامل في عيون البعض، ما الذي يمكنني فعله؟
تغريد وقاسم والآخرين طلبوا مني ان انقل همومهم بصدق وامانة، لعل صرخاتهم تجد صدى عند من يهمهم الامر، فيتداركون الامر قبل وقوع المحظور.
تمنى علي قاسم أن لا أكون كالآخرين اسمع فقط، طلب مني أن أكون فلسطينيا، وان انقل ما شاهدت وسمعت.
استنتاج "أرزة وزيتونة" جلد إضافي لذاكرة الشتات
أرزة وزيتونة بمائة دولار قد تخلق بسمة مصطنعة للحظة، ولكن بمئات الدولارات التي من الممكن أن نستثمر بها قد نصنع بسمات مستدامة للمستقبل، فيا صندوق الاستثمار عليكم الاستثمار في البشر أكثر في مخيمات لبنان، الاستثمار في مشاريع إنتاجية داعمة للمؤسسات، تؤمن حياة كريمة لفلسطينيي مخيمات لبنان، الى ان يعودوا الى وطنهم فلسطين.
من الظلم أن نستنتج من سؤال أو سؤالين بتسمية مدن فلسطينية أن الذاكرة مسحت، فالذاكرة باقية، ويكفي أن تقول لك أي امرأة أو رجل أو شاب وشابة "انك من ريحة البلاد وبده/ا تشم هاي الريحة"، الذاكرة موجودة ولم تمسح، ولكن كما أسلفنا سابقا، أن الهم كبير وكبير والأولوية لرغيف الخبز، وهذا يثقل همهم وقد ينسيهم للحظة أسماء مواقع ومدن وقرى، فرائحة البلاد وعطرها في ذاكرتهم الحية.
وكما قال مظفر النواب "لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر فالجوع أبو الكفار"، وتريدون منا أن نلوم جوعهم إن نسوا اسم مدينة او قرية؟ نحن تناسيناهم ونسيناهم.
أرجو أن أكون قد نجحت في ايصال صوتهم، وبعض رسائلهم.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69890
