فلسطينيو الداخل يواجهون عنصرية الاحتلال
أثارت الدعوات الإسرائيلية الصهيونية المتواترة كل يوم والمتعلقة بـ«يهودية الدولة»، والسعي الصهيوني لإقرار قانون جديد لـ«المواطنة» بحيث يكون الشرط الأساسي للمواطنة فيه يقوم على الاعتراف بـ«يهودية إسرائيل» من قبل المواطنين العرب أصحاب البلاد الأساسيين، أثارت هذه الدعوات موجات جديدة من السخط عند المواطنين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948، كما أثارت عندهم مناخات من القلق المتزايد على مستقبلهم وحضورهم فوق أرض وطنهم التاريخي، في ظل تنامي الروح العنصرية عند القطاعات الواسعة من المجتمع اليهودي على أرض فلسطين.
واللافت في هذا الأمر، أن اقتراح تعديل الجنسية الإسرائيلية لم يأت هذه المرة فقط من قبل المتطرف الصهيوني أفيغدور ليبرمان وحزبه الفاشي أو أي من أحزاب اليمين الصهيوني، بل جاء طرحه من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي دعا بصراحة وفظاظة لتعديل قانون الجنسية ليتضمن «قسَم الولاء لإسرائيل دولة يهودية» ودولة ديمقراطية على حد زعمه، الذي صدقته الحكومة الإسرائيلية مؤخراً.
وقد تلقف ليبرمان الأفكار الجديدة وأيّدها، ودعم اقتراح مشروع القانون انسجاماً مع فكرته التي صرّح بها في خطابه الأخير في الأمم المتحدة، تحت عنوان تبادل الأراضي. ومضمون الفكرة أن تبقي «إسرائيل» على المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية، وإعلان تابعيتها لها، مقابل إعلان تابعية بعض المناطق في إسرائيل ذات الكثافة العربية للدولة الفلسطينية، فيحلّ الغريب والمستجلب والطارئ مكان الأصيل، وهو ما دعا النائب العربي الدكتور أحمد الطيبي ليصف اقتراحات ليبرمان بالوقاحة، قائلاً: نحن لسنا مهاجرين أتينا بسفينة أو بطائرة، والمهاجر الوقح ليبرمان يريد أن يطردنا من بلدنا.
وبموجب هذا التعديل الذي يجري الآن العمل والسعي الحثيث من أجل إقراره في الكنيست الإسرائيلي قبل أن يصبح قانوناً، فإن من يريدون الهجرة إلى «إسرائيل» من اليهود من مختلف أنحاء العالم يحصلون بشكل تلقائي على الجنسية، أما غير اليهود فيجب عليهم أداء «يمين الولاء لدولة إسرائيل» بمن فيهم المواطنون العرب أصحاب الديار الأصليون قبل عام 1948م الذين كانوا يمتلكون 99% من مساحة أرض فلسطين التاريخية قبل النكبة. فقد كان التجمع اليهودي في فلسطين يمتلك فقط ما بين 6%- 7% من أراضي فلسطين التاريخية، أما اليوم فإن 93% من الأرض في المناطق المحتلة عام 1948 فهي تحت سيطرة الدولة الصهيونية.
وعلى مدى السنوات المنصرمة أصدرت الدولة سلسلة من القرارات المتواصلة لانتزاع ملكية الأرض من المواطنين العرب. وكان القرار الأهم والأخطر في هذا الصدد، قانون أملاك الغائبين. والغائب في نظر القانون هو الشخص الذي طرد أو هرب أو غادر فلسطين عام 1948م، وهذا ينطبق على ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة، حيث سيطرت الدولة على جميع أملاك العرب الذين طردوا أو غادروا خلال عام 1948م، وخاصة تلك الأملاك المتمثلة في الأرض والشقق السكنية والحسابات المصرفية.
من هنا أن طرح «يهودية الدولة» داخل «إسرائيل» يؤكد مرة ثانية أن «الدولة اليهودية» ليست شعاراً مطروحاً على طاولة المفاوضات لابتزاز الطرف الفلسطيني والجانب العربي بشكل عام، بل هي ممارسة عنصرية يومية تقوم بها سلطات الاحتلال على الأرض. كما أن مطلب «قسم الولاء» يميّز ضد كل من هو ليس يهودياً، ويجاهر بأن قاعدة المواطنة لا تمتّ للمواطنة بصلة بل تمتّ لانتماءات اثنية مستندة لرؤية توراتية لا علاقة لها بعالم القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا المجال، تجدر الإشارة إلى أن قوانين «المواطنة في إسرائيل» تستند إلى مبدأ «رابطة الدم اليهودي» غير المقنعة علمياً ولا منطقياً «أين رابطة الدم بين يهودي الفلاشا ويهودي ليتواني مثلاً..!»، ولا تستند إلى رابطة الأرض والتاريخ والتكوين القومي الحقيقي، ويعكس هذا الفهم الخلفية الأيديولوجية التي قام عليها ما يسمى «إعلان الاستقلال الإسرائيلي وقانون العودة لعام 1950م»، وهي خلفية تستند إلى رواية الميثولوجيا والخرافة التوراتية، حيث إن قانون العودة يسمح لكل يهودي بالهجرة إلى إسرائيل، والحصول تلقائياً على المواطنة الإسرائيلية فور عودته، ولا تمنح هذه الميزة إلا لليهود، باعتباره مواطناً عائداً بموجب القسم الثاني من قانون المواطنة لعام 1952م.
وعليه، فإن هذه التوجهات العنصرية الصهيونية، واقتراحات القوانين المقدمة يومياً من قبل عتاة الصهاينة، والتي تنضم إلى سلة مئات القوانين العنصرية، لن تغيّر الحقيقة الراسخة والمؤكدة، وهي أن الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام 1948 هم أصحاب الوطن والأرض الأصليون، مهما اختلفت التسميات.
من هنا فمن الضرورة بمكان فضح وتعرية عنصرية مشروع «الدولة اليهودية»، ورفضه عربياً على كل المستويات، والصمود أمام الضغوط الأميركية المسلطة على الطرف الرسمي الفلسطيني للقبول به، أو المقايضة عليه بوقف الاستيطان على سبيل المثال في الأرض المحتلة عام 1967.
إن الاقتراحات الجديدة بشأن المواطنة و«يهودية الدولة» تنمّ عن عنصرية فجّة، فكيف تدّعي إسرائيل بأنها واحة الحرية والديمقراطية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تطلب تكميم الأفواه والعقول، للاعتراف بدولة تقوم على أساس ديني عنصري اغتصابي ملزم لكافة الأفراد والطوائف التي تختلف دياناتها عن الديانة اليهودية.
في هذا السياق، إن الجهود المبذولة من قبل سلطات الاحتلال على «أسرلة» فلسطينيي العام 1948 متواصلة منذ عام النكبة، لكنها لم تستطع حتى اللحظة تذويب وإماتة الهوية العربية الفلسطينية عند عموم قطاعات الشعب الفلسطيني هناك.
فقد انهارت سياسة «الأسرلة» ولم تستطع حتى الآن من تحقيق غاياتها على الرغم من الوضع الصعب الذي عاشه فلسطينيو العام 1948 خصوصاً في العقدين التاليين من نكبة فلسطين عام 1948، فسقطت «الأسرلة» وانهارت «العبرنة»، وفشلت كل محاولات تهميش اللغة العربية وتشويه مناهج تعليمها، في ظل النشاط الوطني والثقافي للعرب داخل فلسطين 1948، الهادف لتعزيز الهوية القومية والوطنية، والتركيز على العلاقة العضوية بين اللغة والهوية.
أخيراً، إن الممارسات العنصرية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948 ليست وليدة اليوم، إنما جاءت متراكمة منذ اليوم الأول للنكبة، وقد صمد فلسطينيو الداخل المحتل عام 1948 في مواجهة سياسة الاقتلاع والتمييز الذي طال مختلف شؤون حياتهم سواء منها الفردية أم الجماعية وعلى مختلف الصعد، وفي ظل غياب المساواة الدستورية، والقانونية، وقضايا الأرض والإسكان، والتعليم، واللغة والثقافة والصحة والرعاية… الخ.
لكن صمود الشعب الفلسطيني هناك، واجتراحه لكل أساليب البقاء أفشل سياسات الأسرلة والتطفيش، واستطاع البقاء والثبات فوق أرض وطنه، بل استطاع تطوير وتعزيز حضوره السياسي والوطني في إطار أحزابه وقواه العربية التي تنامت خلال العقود الثلاثة المنصرمة، التي أبرزت للعيان وللرأي العام العالمي حقيقة «إسرائيل» باعتبارها دولة احتلال تمارس شتى أنواع البطش والممارسات الوحشية ضد شعب أعزل إلا من إيمانه بعدالة قضيته.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69903
