نتبرأ جميعا من التمييز العنصري ونُدينه، لكن للأسف ككل الأمراض القلبية، قليل منا من لا يمارسه في سر أو علن، قليلا أو كثيرا، فهل نعلم أن العنصرية داء عضال يُقزِّم أفكارنا ويجعل شخصيتنا حبيسة الهوى وتقلبات المزاج؟
أما إذا كان التمييز العنصري سلوكا اجتماعيا رائجا، فإنه يعرض المجتمع لمخاطر كثيرة مثل العقم المعنوي والتردي الأخلاقي ونسف جهود التنمية والتطوير.
عندما تسيطر فكرة الاصطفاء والنقاء على العقول تلفها في غلاف من الأوهام وتحرمها من نعمة التفكير السليم، إذ يترتب الزمان والمكان والأحداث في الوعي بحسب أولويات ومحددات الرؤية العنصرية. وهنا نفهم عمق وأهمية قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". خلقناكم وجعلناكم لتعارفوا، إنها دعوة ربانية صريحة وقوية لإعمال العقل وتجاوز حجب التصنيفات القومية التي وضعها الباري عز وجل ابتلاء وفتنة لنا، يقول سبحانه: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا".
الدعوة للتعارف هي تحريض واضح على التفكر والانتباه إلى وحدة الأصل الإنساني، ثم النظر في هذه الفروق التي تميز بعضنا عن بعض وتأملها، إنها علامات تدل على الخالق سبحانه، يقول الله عز وجل: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين".
خلقنا المولى عز وجل مختلفين لكي نتعارف، أولا بمعنى أن يعرف بعضنا بعضا، مما يقودنا إلى معرفة أنفسنا، وبما أن معرفة النفس طريق إلى معرفة الخالق، فإن هذه الدعوة الإلهية هي أيضا دعوة لمعرفة الله عز وجل، أي أن يبحث كل واحد منا في الآخر عن الخالق تبارك وتعالى. عن عظمته وقوته ورحمته. والشئ الوحيد الذي نُكَرم به عند الله هو التقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، تلك التقوى التي تقود إلى العلم والمعرفة، قال تعالى:"اتقوا الله ويعلمكم الله"، التقوى طريق إلى العلم، العلم الذي يضئ العالم ويخرج الناس من أزماتهم المعنوية والمادية.
من التقسيمات المشهورة لعقول الناس، تلك التي صنفت العقل إلى ثلاثة أصناف: الأول هو الذي يهتم بالأفكار ويعالجها، وهو أفضل العقول، والثاني ذاك الذي يتتبع الأحداث ويبقى سجينا بين جدرانها، وهو أقل من الأول، والثالث الذي يركز معظم نشاطه على ذوات الناس، على جذورهم وألوانهم وأفعالهم وأحوالهم، إنه أضعف العقول وأكثرها تَرَهُّلا وترديا، فكيف إذا كان هذا العقل الأخير يعتبر الآخرين ناقصين وأراذل بدمائهم وانتماءاتهم القومية واللونية، بينما يرى نفسه الأعلى ودمه الأنقى. من الروايات الإسلامية الشهيرة، تلك التي تحكي موقفا قال فيه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري لأخيه بلال بن رباح: "يا ابن السوداء"، فما إن سمع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الجملة من أبي ذر حتى خاطبه قائلا: "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية"، لاشك أن هذه الحادثة تعلمنا أن التمييز العنصري يعادل الجاهلية في مدرسة النبوة العظيمة، وأن الإسلام أو السبق فيه، لا يمنعان أن يعلق بالقلب شيء من وسخ الجاهلية، ذلك الذي أزاله نور الإيمان وهدي القرآن. ورغم جهود الإسلام لحماية الناس من العنصرية، فإن البشرية تكبدت لوقت طويل خسائر لا تحصى، نتيجة سيطرة السلوكيات التمييزية بين الشعوب، أو سيادة سياسات وقوانين عنصرية مقيتة، أمام هذا الليل القاسي والطويل أصدرت الأمم المتحدة إعلانها العالمي للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 20 من نوفمبر 1963.
ومما جاء فيه: «يمثل التمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثني إهانة للكرامة الإنسانية، ويجب أن يدان باعتباره إنكارا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكا لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعقبة دون قيام علاقات ودية وسلمية بين الأمم، وواقعا من شأنه تعكير السلم والأمن بين الشعوب»، ويضيف الإعلان العالمي: «يحظر على أية دولة أن تقوم عن طريق التدابير الضبطية أو غيرها، بتشجيع أو تحبيذ أو تأييد أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثني يصدر عن أية جماعة أو أية مؤسسة أو أي فرد»، وفي بند آخر، جاء ما يلي: «يتاح لكل إنسان، على قدم المساواة، دخول أي مكان أو مرفق مفتوح لعامة الجمهور، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثني». لم يمنع الإعلان العالمي ولا القوانين الدولية ولا المحلية من حدوث جرائم في حق الإنسانية بسبب التمييز العنصري، كما لم تحد تلك المبادئ من تفشي مرض العنصرية في المجتمعات الإنسانية، هذا الواقع المرير الذي ازداد تفاقما في الكثير من البلدان، خاصة تلك التي تطمح إلى تحقيق مستويات كبيرة من التنمية والتطور، وتسعى إلى مكانة عالمية بارزة، مما يحتم عليها فتح ورشات كبيرة في مختلف مناشط الحياة، فتستقبل أعدادا ضخمة من العمال والمهارات.
وعلى هذا الأساس يرجع الخبراء انتشار ثقافة التمييز العنصري في تلك الدول إلى خوف أصحابها على هويتهم أو رفاهية أبنائهم، مما يُحتم على الحُكماء إيجاد حلول متوازنة ومنسجمة تحفظ ثوابت البلد وخصوصياته وراحة أبنائه، مع حفظ كرامة وحاجيات وحقوق ضيوفه. تعتبر أفكار وإيديولوجيا الحقد والكراهية من أخطر ما يمكن أن تفرزه مشاعر التمييز العنصري، حيث تنتقل العنصرية من مستوى أحاسيس وأقوال متنقلة بين الجماعة إلى أفكار وإيديولوجيا مسمومة تجعل الآخر جحيما وشماعة تُعلق عليها كل الكوارث التي تحل بأفراد تلك الجماعة، وبالتالي عوض أن تنشغل طاقات البلد بالبحث عن الأسباب الحقيقية للمشاكل وعن الحلول المناسبة لها، تبقى حبيسة المشاعر السلبية. وهكذا بَدَل أن يكون التنوع العرقي والثقافي داخل جماعة ما داعيا للرقي العقلي والروحي، يكون شرخا في بنائها. إن المجتمع الذي يستسلم لمشاعر التمييز العنصري، مجتمع محروم من عوائد وفوائد التنوع البشري الذي يَنعَمُ به، مجتمع يقف عند الظواهر ومهدد بالسطحية الذهنية وفقدان المبادرة.
المصدر: صحيفة العرب القطرية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69918
