تطبيق قرارات حق العودة لفلسطين بالجهد الشعبي

 

تعتبر قيادة دول الاحتلال، والنُخب المثقفة فيها، أنهم لا زالوا يعيشون المرحلة الثانية لما يُسمونه "حرب الاستقلال"، وإذا كانت المرحلة الأولى انتهت بتحقيق النكبة، وتأسيس الدولة، فإنها تطمح -في هذه المرحلة- من وراء الإصرار على نزع الاعترافات الفلسطينية والعربية بيهودية دولة الكيان الصهيوني، وتشديد الحصار على غزة، والعدوان المتواصل على ما تبَقّى من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يسكنون فوق أرضهم سواء كان ذلك في قطاع غزة، أو الضفة، أو القدس وكذلك فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948؛ إن العدو الغاصب يهدف من وراء ذلك إلى التسبب في إحداث نكبة جديدة؛ يطمح العدو أن تكون أبرز ملامحها السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض، وتهويد القدس وهدم المسجد الأقصى المبارك، وتهجير من يستطيع من السكان خاصة أهلنا في المثلث والنقب والجليل، وشطب حق العودة، وتقزيم طموحات الشعب الفلسطيني؛ لكي تبقى دائماً دون الاستقلال.
 
ورغم أن الاحتلال تمكن خلال الستين سنة الماضية من تحقيق مكتسبات كبيرة في الصراع، إلا أن المقاومة الفلسطينية والعربية مؤخراً تمكنت من تسجيل نقاط معتبرة لصالحها؛ تتمثل في حرمان جيش الاحتلال من القدرة على الردع، ومنعته من تحقيق الانتصارات السريعة التي اعتاد على تحقيقها، كما أن الاحتلال حتى اللحظة لم يطور قدرته للتكيف مع ظروف الحروب الطويلة.
 
إن أكثر العوامل المقلقة في اللحظة التي نعيش؛ أن الاحتلال يحاول جاهداً أن يستغل موازين القوى الحالي لكي يفرض تنازلات فيما يتعلق بحق العودة، خاصة بعد أن انقلبت الصورة في العلاقة بيننا وبين أشقائنا؛ الذين كنا نطالبهم أن يقاطعوا العدو سياسياً واقتصادياً، واليوم هم يطالبوننا "بحسن السير والسلوك"، والاستجابة لاشتراطات العدو حتى يستطيعوا أن يقدموا لنا الإغاثة، وحتى الحد الأدنى منها.
 
في ظل هذه الظروف الصعبة، من حقنا ألا نثق بالجهات الرسمية، ومن واجبنا أن نتحرك للمواجهة، بحيث تكون المواجهة شاملة وعلى كل الصُعُد، خاصة وأن أحداث السنين الأخيرة تقول أن الدولة في وطننا العربي فشلت في كل المهمات التي أوكلت إليها على صعيد تحقيق الصالح العام المشترك، لكن الملفات التي حملتها المجتمعات وحركات المقاومة فيها هي التي صمدت وبقيت حية، ومن الأمثلة على ذلك: الدولة في لبنان هشة وضعيفة، لكن المقاومة التي تعمل خارج إطار الدولة هي التي صمدت، وهي التي تحقق نوعا من توازن الرعب مع المحتل، ودولة صدام حسين انهارت بسرعة أمام الاحتلال، لكن المقاومة التي يحتضنها المجتمع لا زالت صامدة، وتكبد الاحتلال خسائر متزايدة، والسلطة الفلسطينية عاجزة، لكن المقاومة التي انغرست ثقافتها عميقاً في وعي الناس، لازالت تقف في وجه الاحتلال.
 
وبناءً على ما تقدم فإن هذه الورقة ستحاول تقديم رؤية لإحياء قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ انطلاقاً من محاولة استثمار المأزق الذي يواجهه الاحتلال خاصة في قدرته على تحقيق أهدافه، وسعياً للاستفادة من الإمكانية المتوفرة للمجتمعات وقوى المقاومة في تحدي الاحتلال، إضافة إلى درء الخطر المتمثل في سعي الاحتلال لأخذ موافقة فلسطينية وعربية على شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم.
 
وهنا يجب التأكيد على أن ممارسة المقاومة المسلحة في حالتنا الفلسطينية؛ هي الحق والواجب الذي لا يناقش فيه أحد. لكن هذه الورقة تحاول أن تُركز على جانب آخر؛ وهو استخدام الوسائل غير العنيفة في إحياء قضية اللاجئين، في مواجهة المؤامرت والخطط الرامية لشطب حق العودة.
 
إن أسلوب الكفاح غير العنيف؛ هو بالتأكيد إضافة وليس بديلاً عن الكفاح المسلح الذي يجب أن يتصاعد ضد الاحتلال. إن الحديث عن الاستخدام الشعبي لأسلوب الكفاح غير العنيف في هذا المجال؛ إنما هو محاولة لبلورة رد استراتيجي على المؤامرات رغم حالة الحصار والانقسام بين الفصائل السياسية. والمقصود بالرد الاستراتيجي: محاولة إعادة القضية الفلسطينية إلى المربع الأول على صعيد الأهداف، ففي الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل، يبادر الشعب الفلسطيني لتطبيق قرارات دولية تعطيه الحق بالعمل لاستعادة أرضه عن طريق العودة إليها. ويُعتبر هذا الجهد استراتيجياً من ناحية إحداث حراك سياسي وثقافي واجتماعي في أوساط الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم يُتوقع أن يضغط على الفصائل السياسية باتجاه مواكبة الاهتمام الجماعي الفلسطيني، فإما أن تتوافق الفصائل مع اهتمامات وتحركات الناس، وإمام أن تتجاوز الجماهير من انتهت صلاحيته، أو تكلّست مفاصله من هذه القوى السياسية التي لم يعد الكثير منها قادراً على العمل والإنتاج لصالح القضية الوطنية الفلسطينية.
 
الفلسفة التي يستند إليها هذا الاقتراح
يستند هذا الاقتراح إلى أن حق العودة هو حق طبيعي لكل إنسان من حقه أن يمارسه متى شاء، إضافة إلى أن قوانين الأمم المتحدة تعتبر أن حق العودة حقاً فردياً وكذلك حقاً جماعياً، ولم تُحدد تلك القرارات والقوانين الطريقة أو الآلية أو الجهة التي ستتولى تطبيق هذه القرارات، الأمر الذي يجعل أمر تطبيق هذه المهمة (وهي مهمة العودة)؛ منوطاً بالأفراد أنفسهم، وبمدى قدرتهم على فعل ذلك بأنفسهم، لذلك تقترح هذه الورقة على اللاجئين الفلسطينيين أن يبدءوا ترتيب أنفسهم لتنظيم مسيرات تحمل عنوان (تطبيق قرارات الأمم المتحدة بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين).
 
آليات العمل لتنظيم مسيرات تطبيق قرارات الأمم المتحدة بشأن حق العودة.
إن العمل لتحقيق هذا الهدف يتطلب عملاً جماعياً؛ قد تبدأه نخبة مغامرة، على كل الصُعُد، وتبدأ هذه الجهود من أعمال التثقيف والتعبئة، وانتهاءً بتنظيم المسيرات، مروراً بتكوين مجموعات الضغط والتأثير، وشبكات المتطوعين والعاملين في كل الدول والمرافق السياسية الدولية؛ إضافة إلى تكثيف الجهود الرمزية التي تجعل قضية اللاجئين حية في الذاكرة الجماعية الفلسطينية والعربية.
 
وفيما يلي تصور مقترح لمراحل العمل من أجل الوصول إلى تنظيم المسيرات الكبرى التي تتحرك باتجاه تطبيق حق العودة:
 
المرحلة الأولى: وهي مرحلة التعريف والتثقيف
تبدأ المرحلة الأولى بتحديد وجرد كل الدراسات التي تناولت حق العودة في المواثيق الدولية، ومن ثم تجهيز عدد ضخم من المحاضرات المكتوبة والمسموعة والمرئية؛ والتي تتناسب مع كل المستويات وتوزيعها على شكل اسطوانات كمبيوتر، وكذلك على شكل ورقي في كل أنحاء العالم بشكل متدرج ومتصاعد، بحيث تصل إلى كل الجامعات والمدارس والمساجد والكنائس والشركات والتلفزيونات والإذاعات والبيوت.
 
وبعد ذلك نشر تجارب الشعوب التي استخدمت أساليب الكفاح غير العنيف، عبر نشر الكتب والأفلام الوثائقية التي تناولت هذا الموضوع، حتى تتكون قناعات لدى الناس بإمكانية استخدام هذا الأسلوب؛ إلى جانب أساليب الكفاح الأخرى في تفعيل قضية اللاجئين وإبقائها حية، ووضعها في قلب الاهتمامات، وعلى رأس سلم الأولويات الفلسطيني والعربي والعالمي.
 
وبعد ذلك تدريب فريق من الشباب الفلسطيني (أو من المناصرين للقضية الفلسطينية) في كل بلد لكي يتولى أمر نشر المعرفة بشأن قضية اللاجئين، وتحشيد طاقات الناس بأساليب الكفاح غير العنيف (خاصة في البلدان التي يتواجد فيها اللاجئون الفلسطينيون)، وكل ذلك على طريق بلورة وانضاج تنظيم مسيرات حق العودة جماهيرياً وشعبياً.
 
المرحلة الثانية: وهي مرحلة الأعمال الدبلوماسية والرمزية والفنية الداعمة لحق العودة
في هذه المرحلة يتم تشكيل لجنة تُسمّى (اللجنة المركزية للإعداد لمسيرات تطبيق حق العودة)، وتقوم هذه اللجنة بإرسال عدد من الرسائل لكل الجهات الدولية المعنية بموضوع اللاجئين، ووزارات الخارجية في كل الدول المؤثرة في هذا العالم، إضافة إلى مؤسسات حقوق الإنسان، وتعريفها بالفكرة، ودعوتها لاتخاذ الموقف المنسجم مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
 
وفي هذه المرحلة يجب العمل على الاتصال بأكبر عدد ممكن من النشطاء من كل دول العالم، عرباً وأجانب، مسلمين ومسيحيين، بيض وسود، لأجل المشاركة في الفعاليات السابقة، وخلال المسيرة، وفي الفعاليات التالية.
 
وفي هذه الأثناء يجري إعداد أناشيد ومسرحيات والتخطيط لعمل أفلام ومسلسلات تُركز على حق العودة، وعلى أن هذا الحق هو حق فردي وجماعي، وأن القوانين الدولية تمنح الناس الحق بممارسته بشكل جماهيري دون انتظار لاتفاقات أو أي جهات دولية لتطبيقه.
 
وبالإضافة إلى ما تقدم يمكن تخصيص مساحات من الأراضي لبناء قرى على شكل القرى الفلسطينية المدمرة، وكذلك لبناء مدن على شكل يافا وحيفا، بالطبع المباني رمزية ومن خشب، حتى لا تكون كلفتها عالية، وحتى يمكن استخدام نفس المواد ونفس المكان لبناء قرى ومدن مختلفة. وفي هذا المكان يمكن تنفيذ الكثير من الأنشطة المتعلقة بإحياء حق العودة.
 
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة تنفيذ المسيرة الأولى لتطبيق قرارات حق العودة
يجب على المنظمين لهذه الفعاليات أن يعلنوا منذ البداية عن نيتهم لتنظيم مسيرة جماهيرية لممارسة العودة، بحيث يتم دعوة كل وسائل الإعلام وممثلي المنظمات الدولية، مع ضرورة الانتباه إلى أهمية إجراء أوسع اتصالات تمهيدية لجعل مسألة تطبيق حق العودة مسألة رأي عام على مستوى العالم.
 
ويجب أن يكون واضحاً منذ البداية أن المسيرة الأولى هي تحرك تنبيهي للعالم، بأن الفلسطينيين قد عزموا أمرهم (شعبياً) على تطبيق هذا الحق بأيديهم، وأن المسيرة الأولى ستقترب من الحدود؛ وستقف عليها، ولن تقتحمها، لكن سيتبعها مسيرة أخرى بعد عام أو ستة أشهر، وهذه المسيرة ستقتحم الجدر الفاصلة بين المُهَجّرين الفلسطينيين وبين بلداتهم وبيوتهم.
 
وبالتأكيد يجب أن يجري خلال الفترة التمهيدية تسجيل أسماء الأشخاص الراغبين في المشاركة في المسيرة الأولى، ومن ثم تدريبهم على كيفية المشاركة في هذه المسيرات، والتعامل مع وسائل الإعلام، واستجلاء المخاطر المتوقعة وكيفية التعامل معها.
 
يجب الابتعاد عن المسيرات الجماهيرية في مثل هذه الفعاليات، لأنها ليست غضب منفلت من أي عقال، وإنما كفاح منظم يهدف إلى جمع أكبر قدر من الأنصار للفكرة، وتحشيد طاقاتهم من أجل إحياء قضية حق العودة.
 
قبل تنظيم المسيرة يجب إجراء أوسع نقاش علني عبر كل وسائل الإعلام، وتقليب كل وجهات النظر، مع الحرص على إبراز نماذج متحمسة للفكرة، وعازمة على المضي فيها بوعي وحكمة وجسارة إلى أن تنتصر قضية اللاجئين بالعودة.
 
بعد تنظيم المسيرة؛ تجري عملية تقييم الكسب، ومن ثم فتح باب النقاش على مصراعيه للتقييم والبحث في الخطوة القادمة، ومتى ستكون مسيرة اقتحام الحدود، وفتح باب التسجيل لمن يرغب في المشارك فيها.
 
المرحلة الرابعة: استئناف الأنشطة الثقافية والفنية والدبلوماسية
بعد انتهاء المسيرة الأولى، هنا يجب إفساح المجال لإخراج المزيد من الأغاني والأناشيد والمسلسلات والأعمال الثقافية والفكرية، وتوسيع دائرة الاتصالات على مستوى العالم، وإجراء المشاورات مع النُخب الثقافية والسياسية الجادة لدعم هذه الجهود بأي شكل يستطيعونه.
 
وفي هذه المرحلة يجب التركيز على إقناع أوسع دوائر ممكنة من البشر بأن العودة ممكنة من الناحية الواقعية العملية، وفي هذا المجال يمكن استخدام كتابات الدكتور سلمان أبو ستة التي أوضح فيها بالحسابات الدقيقة، وبالتحديد على الخرائط أن أغلب الأماكن التي هُجّرَ منها الفلسطينيون لا زالت فارغة، وأنه يمكن أن تستوعب كل اللاجئين الموجودين في العالم.
 
وفي هذه المرحلة يجب تعريف أوسع شرائح ممكنة من الناس بنتائج المسيرة الأولى، وحجم التأييد الواسع الذي يكون قد تحقق، وفي هذه المرحلة وفي كل المراحل يجب إشراك أوسع دوائر من الناس في النقاش، ويجب الإعلان دائماً عن الاستعداد لاستلام المقترحات من كل من يقدمها.
 
في هذه المرحلة يجب التنسيق مع كل من يوافق من الدول والشخصيات والمؤسسات على تبني نشاط معين مستمر ومتواصل يتعلق بأحوال اللاجئين وحق العودة. وهنا يمكن تضمين المناهج الدراسية في المدارس والجامعات مقررات أو أجزاء من المقررات في هذا الموضوع، ويمكن التنسيق مع الإذاعات والفضائيات لتخصيص برامج وإنتاج أعمال خاصة بإحياء قضية اللاجئين وحقهم في العودة.
 
المرحلة الخامسة والأخيرة: تنظيم مسيرة اقتحام الحدود والعودة بشكل فعلي.
في هذه المرحلة تكون الفكرة قد انتشرت، وتم تدريب عدد كبير من الناس على المشاركة في هذه المسيرة، أعتقد أن البداية يمكن أن تحدث في لبنان، وسبب ذلك أن الدولة لا تريدهم أن يبقوا فيها، وتدعي أنها متمسكة بحقهم في العودة، إضافة إلى أن أحوالهم بائسة، وبهذا لن تكون هنالك أية حجة لمن يعترض على خروج اللاجئين في مسيرات عودة من لبنان، وإلا سيكون رافض لحق العودة، وداعم لفكرة التوطين في أي مكان آخر من العالم.
 
وبعد ذلك يمكن أن يتحرك اللاجئون داخل فلسطين المحتلة عام 1948، خاصة أن أغلب أراضيهم فارغة، ولا توجد أي حدود أو حواجز بينهم وبينها، إضافة إلى أن دولة الاحتلال ستواجه مأزقاً كبيراً في التعامل معهم، لأن هذا سيضع مصداقية ادعائها بالتمسك بالديمقراطية والمحافظة على حقوق الناس على محك كبير.
 
ويمكن أن يترافق هذا مع تنظيم المسيرات في غزة صوب نقاط التماس والأسلاك الشائكة التي نصبها الاحتلال بيننا وبين أراضينا المغتصبة.
 
وبعدها يمكن أن يتحرك اللاجئون من سوريا ومن الأردن، ويمكن للبعض من أوروبا أن يستأجروا سُفن ويتحركوا عبر البحر باتجاه مدنهم وقراهم.
 
هذا مجرد اقتراح، لست أول من بادر إليه، ولكنني انتهزت فرصة هذا المؤتمر لتقديم الاقتراح لعله يأخذ حقه من النقاش.
 
* ورقة عمل مقدمة لمؤتمر (اللاجئون الفلسطينيون بين الحق المعلوم والمصير المجهول) لا عودة عن العودة؛ المنعقد في الجامعة الإسلامية بغزة-فرع الجنوب 5/6-5-2008