في فلسطين.. شاغر وظيفي محجوز!

 

دموعُ فرحٍ منهمرة، وابتساماتٌ على الشفاهِ مرسومة، كيف لا وقد كَبُر الغرس وأَينعَ الزرع، كيف لا وصدورٌ استقرت قلوبها وعيونٌ قُررت برؤيةِ فلِذات أَكبادها وقد تخرجت، ينظر الخريجون من على منصة الاحتفال فإذ بعيونِ الآباءِ والأمهات تتلقف النظرات إيذاناً للذاكرة باسترجاع شريط الذكريات.
 
ففي ذلك الرُكن من البيت شُرع العمل لحصد الثمار في هذا اليوم، ومصباح الإنارة حين انقطاع الكهرباء شاهد على سهر الليالي وأرقها، وتوتر أيام الامتحانات وجهدها إلا أن صورتان تبرزان من وسط شريط الذكريات لتحتل صدارة المشهد.
 
صورة الأم الصابرة التي أبكت عيونها سوء الحال وقلة المال فآثرت على نفسها وسارعت ببيع الذهب وما استقام علها تحفظ لأولادها فرصة التعليم بأمان، وصورة الأب الغالي الذي واصل الليل بالنهار، وسالت منه دموع الرجال الغالية عند العجز والسؤال، فمهجة القلوب ونور العيون ومستقبلهم على المحك وضياعه محال، والأمل في غدٍ قريب ومستقبل يرسم صورته الأولاد كبير.
 
تمر تلك اللحظات وقد حُفرت في الذاكرة، ويدخل الأهل والخريجون مرحلة من الانتظار، لفرصة قد تلوح في الأفق قريباً، فرصة يثبت فيها الخريج لنفسه قبل غيره أنه جدير بالثقة وعلى قدر المسؤولية وأَهل للتضحيات، ويعلن الخريج مرحلة بناء الذات وتطوير مهاراته وأدواته استعداداً للفرصة المرتقبة أعمالاً تطوعية تارة، وتدريباً تخصصياً تارة أخرى.
 
متابعة للصحف اليومية ومواقع التوظيف، عله يجد مبتغاه ويبدأ بصعود السلم فإيمانه بالعدالة الاجتماعية والشفافية والنزاهة لدى المجتمع عالية، هكذا سمع من تصريحات المسؤولين وهكذا اعتقد أنه رأى في مؤسسات المجتمع المدني التي جابها حباً وطواعية.
 
واذ بالخريج يصاب بخيبة أمل وتتحطم بعض من معنوياته، فهذا يطلب خبرة يفوق عمرها الخمس سنين وذاك يضع شروطاً تعجيزية ظاهرها المهنية وباطنها المحسوبية، فالشاغر الوظيفي محجوز وإن هي إلا إجراءات الشفافية الورقية فقط.
 
تتحول حينها فرصة الخريج لحزن، وينقلب الأمل ليأس، يفقد ثقته بنفسه وبمجتمعه ويعجز عن العودة للمنزل، فماذا يخبر أُم طالما حَلِمت بمستقبل مشرق بطله ابنها، وماذا يقول لأب حفر الصخر لتوفير مستلزمات دراسة ولده؟
 
عبءٌ كبير، كلمات تختصر نظرة الخريج لوضعه بعد أن فقد الأمل في عدالة مجتمعية ظن أنها ستكون نافذته لتحقيق أَحلامُه وطُموحه.
 
شاغر وظيفي ببنط أسود عريض يُزين منتصف إعلان، يتجدد الأمل وتعود طاقة الإيمان بالنفس لأعلى مستوياتها وتَشرع الأُم بالدعاء والصلاة، ترتيب للأوراق بدقة وجمع لشهادات الخبرة، ومن ثم تقديم الطلب بيد مُرتعِشة وعيون كلها رَجاء، وأمل أن تنصف النزاهة والعدالة المؤسساتية، شابٌ أعياه البحث وقضت على آماله قلة الفرص، يُعقد الامتحان، يتم اجتيازه بامتياز، وتعقد المقابلة – غالباً لا تقيس مهارة ولا تثبت جدارة – يخرج منها مرفوع الرأس فقد أَجَاب بتميز ولاقت إجاباته الاستحسان ينتظر وينتظر ثم يعلم بأن المؤسسة قد اختارت من هو دونه كفاءة ومن لا يملك مقومات النجاح فالشاغر الوظيفي محجوز، هنا تتحطم أشرعة سفينة لطالما حاول الخريج نشرها بالأمل، فتغرق دموع الحزن والكمد العيون، ويعلن الخريج كفره بعدالة ونزاهة إجرائية مُزيفة.
 
تقديم لا بد منه قبل الحديث عن قضية حساسة لطالما أرقت العديد من الخريجين والخريجات وحَرمت المميزين منهم الوظيفة وأفقدتهم الثقة بأنفسهم وبمجتمعهم وبمؤسساتهم، مشكلة تجعل فئة عريضة من المجتمع قُنبلة بشرية قابلة للانفجار، في حال استمرار تجاهلها.
 
أَعلم أننا لسنا في مدينة أَفلاطون الفاضلة، وأعلم أن لكل مؤسسة اعتباراتها، وأعلم أن هنالك بعض المؤسسات والدوائر تُراعي الدقة والمنهجية وتطبيق العدالة، إلا أن السيئة تَعُم والحسنة تَخُص، ومازلت لا أرى سوى الحسرة والألم في عيون خريج تَجرع مرارة الفساد والمحسوبية بعدما انتشى من كأس مبدأ العدالة والشفافية والنزاهة.
 
مؤسسات الارتزاق – إن شئنا دقة الوصف – لا تكتفي حتى بتعيينات الواسطة وشغر الوظائف عبر المعرفة والمحسوبية، بل يتعدى الأمر أبعد من ذلك، فمنهم من لا يُعلن أساساً عن الشواغر، ويقوم بتحميل كادِرُه الأساس على بند أكثر من مشروع.
 
شرط أن يكون مصدر التمويل مختلف، وعلى الموظف أن يُعيد الراتب كاملاً لا منقوصاً لصالح خزينة المؤسسة، وإن كان الموظف من ذوي الحظوظ يتم مكافأته بمبلغ مقطوع، ومازال شعار الشفافية والنزاهة والعدالة مرفوعاً ولن تتسرب واسطة أو محسوبية لدائرة القرار مهما كان نظرياً طبعاً.
 
ليت شعري يدري ما الذي ستجنيه المؤسسة من هكذا فعل بل كم سيبلغ قيمة الوفر المادي من عائدات الرواتب؟!، بل أين العدالة في حِرمان خريج من وظيفة عمل تحت بند التوفير على المؤسسة، أين الشفافية الفعلية في الرقابة على التنفيذ، أم أن الشفافية مبدأ ورقي لا مجال له على أرض الواقع؟! وأين النزاهة في تقديم أفراد بلا مؤهلات على أفراد بمؤهلات مهما كانت المبررات.
 
بكل وضوح لدينا مؤسسات ارتزاق، وفساد مالي وإداري ولدينا رقابة ورقية تُصدر مبادئ وَتَرفع شعارات هكذا هي الصورة دون تعديل وتجميل والنتيجة طابور من المتعطلين عن العمل بلا وظائف وبلا أمل.
 
خريجون وخريجات تحولوا من قلوب نابضة ومشاعل نور، لأجساد مُتبلدة وأرقام في السجل المدني، فقدوا طعم الحياة، خسِروا ثقتهم بمجتمعهم ومؤسساته، فقدوا دافعية العمل والحراك الإيجابي.
 
كم هي المقالات والمقابلات التي تتحدث عن الرغبة في تحقيق تنمية اقتصادية مجتمعية بشرية والمفارقة أن من يرفعون تلك الشعارات يمارسون قمعاً للفكرة ويُحاربون فرصة تطبيقها إن بقت العدالة المؤسسة عن الواقع غائبة.
 
علينا كمؤسسات وحكومة ومانحين أن نُمعِن النظر جيداً، فلا تدفعنا مصلحة مؤسسة أنية لقتل ثقة جيل كامل، ولا تدفعنا حكومة للبقاء طويلاً في طابور الانتظار، ولا يدفعنا رغبة مصدر المنحة في إغلاق ملف منحة صدر بشكل جميل وَيحوى من الفساد والتجاوزات الشيء الكثير.
 
وعلينا قبل هذا وذاك أن نرفض كأشخاص سياسة مؤسسات الارتزاق فنحن نحرِم شخص من فرصة ونرتضى أن نكون لتلك المؤسسات أدوات.
 
والحقيقة المرة أن مجتمعنا بجميع أطيافه وتوجهاته يفتقد للعدالة الاجتماعية والوظيفية ومبدأ تساوي الفرص، فمجتمعنا يكافئ فيه الفرد بناءً على واسطته، حِزبُه، قُدرته على التسلق والوصول، مجتمعنا يرفض حتى محاولات الإصلاح وكلمه الحق ويفضل تجاهل الحقيقة على أن يدفع ثمن مواجهتها.
 
مجتمعنا غارق في مشكلة إدارية أخلاقية فيها فساد مالي وإداري، والإشكالية الكبرى أن الكل لديه المبررات الجاهزة فالنوايا سليمة والهدف خدمة المصلحة العامة.
 
بكل بساطة مجتمعنا يتجاهل قنبلة بشرية تزداد قابليتها للانفجار يوماً بعد يوم فالشباب وإن فرقتهم أحزابهم وأفكارهم لن يجتمعوا على قضية كما اجتمعوا على قضية انعدام العدالة وغياب النزاهة والشفافية.
 
والأمر جد خطير لا يقبل التأجيل ولا تجدي معه المساومة بحقن التخدير المؤقتة ولا يعالجه وعودات لا تعدل مصير.
 
على الشباب إذا أن تبدأ التغيير وترفض تطبيق سياسات تحرم أقرانهم العدالة وفقدان الثقة بالمحيط، وعلى الحكومة أن تنظر بأهمية لضرورة تحقيق العدالة المجتمعية ومنها عدالة التوظيف، وعليها ومن منطلق واجبها أن تشخص الخلل لدى مؤسسات المجتمع المدني وتضع علاجاً تعاونياً إن لم يكن جبرياً لمرض ينخز في عظم مجتمعنا وعليها أن تطبق مفهوم المساواة وتكافؤ الفرص واقعاً عملياً ممارساً لا تصريحات شفوية وإجراءات شكلية.
 
وعلى المانح أن يركن لأدوات متابعة ورقابة حقيقية ليتأكد من مسار صرف الأموال وإن صرفت حسب البنود المخصصة أم لا أن يكتفي بدور المتابع من بعيد جل ما يهمه إجراءات ورقية سليمة يقابلها خرق يصعب معه الرقع.
 
أما الشباب فلهم مني حديث أخر بعيد عما يحاول المقال معالجته، سيكون مقام المقال القادم ولكن لا بأس من التعريج عليه.
 
إن معضلة الشباب وتوظيفهم لطالما كانت خارج حدود وقدرات وإمكانات الدولة حكومة ومؤسسات، والقطاع الخاص هو وحدة العلاج وبوابة الخلاص لكم، ولمستقبل دولة قوية جنودها وقادتها أنتم، فأنتم راسمو مستقبل وصانعوا قرار دولة الفجر القريب.